يواسي بعض الفقراء أنفسهم بأحاديث السوء عن الأغنياء، فيقولون عن أموالهم إنها مشبوهة، أو أن الظروف خدمتهم، أو أنهم ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب.

فإذا تبين لهم أن أموال هؤلاء الأغنياء حلال، وحصلوا عليها من عرق جبينهم متجاوزين للصعاب.. انتقلوا إلى مرحلة التشكيك في سعادتهم وراحة بالهم.

فتارة ينسجون القصص أن الغني الفلاني لا يستطيع النوم، وأن الغني العلاني لديه مرض لم يسمع به البشر من قبل، وتارة يرددون أنَّ الأغنياء -رغم غناهم- لا يجدون لذة الحياة!

وكأنّ الفقراء -ما شاء الله لا قوة إلا بالله- ينامون قريري العين وليس لديهم أمراض ويجدون لذة الحياة بكل تفاصيلها!

من قال إن الأغنياء ليسوا بسعداء؟! كيف لا يكونون سعداء والمال يحقق لهم ما يريدون؟

فإن مرضوا ذهبوا إلى أكبر المستشفيات، وإن مَلّوا سافروا إلى أجمل البلدات، فإذا اشتهوا أمرًا اشتروه وإذا رغبوا شيئًا اقتنوه، وإن حصلت لهم مشكلات حلوا معظمها بالمال؛ فبالمال يشترون الوقت والجهد والبال، وأشياء أخرى..

فراشهم وثير ولحافهم حرير.

تبًا لعقلية الفقير التي تتوهم أن المال «وسخ الدنيا» حتى يصل بها الحال للخوف من الغني، أو اعتقادها أن الطريق إليه يحتاج إلى معجزة أو مسالك محرمة.

إنَّ ذلك الفقير الذي يتابع حياة الأغنياء وخاصة المشاهير منهم أكثر من الالتفات إلى حياته الخاصة، لن يجني إلا مزيدًا من البؤس والشقاء، فإنَّ وصية الله في القرآن (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا..)، إنما عليك -عزيزي الفقير- السعي إلى تحصيل الرزق (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه).

قال الحكيم وهو يعظ غنيًا: «يا بني: تمتع بحياتك.. عش تفاصيلها.. دع المال يعمل لأجلك، فإنك إن كسبته من حلال وأنفقته في الحلال فذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء، ولا تبالِ بألسنة الناس، فإنهم لن يرحموك حتى لو أصبحت فقيرًا مثلهم.

يا بني: اعلم أن الحياة يومان.. يوم لك ويوم عليك، فاجعل ما لك عونًا لك حين تتقلب الأحوال وتدور الأيام».

ويروى أنّ ثريًا في إحدى الدول العربية زمن جيل الطيبين كان يمتلك سيارة من نوع (كرسيدا) الفاخرة آنذاك، لكنه كان لا يجيد نطقها، فيلفظها (كوروسودا)، ثم إنهم نقلوا إليه أن الناس تتهكم به بسبب ذلك، فقال لهم ساخرًا: أنتم انطقوها وأنا أسوقها.

كتبت لكم هذا المقال، وقد كنت عاقدًا العزم على الاستمتاع بوجبة لذيذة من أحد المطاعم المخملية، تتكون من اللحم المقرمش الممزوج بصلصة صنعت خصيصًا في بلاد ما وراء النهر، ومطعمة ببهارات غابات الأمازون، وبجانبها ثلاثة أعواد من بطاطس القطب الجنوبي التي طهيت بواسطة «شيف» مكسيكي من أصول إيطالية وأم هندية (وعنده ولدان)، لكني وجدت أن الأسعار غالية جدًا فألغيت الفكرة (ولو كنت غنيًا ما ألغيت).. حسنًا (ما همني عادي)، فالأغنياء الأشرار الذين يذهبون إلى هناك ليسوا سعداء، ولو استمتعوا ساعة فإن القولون وآلام المعدة وباقي منغصات الحياة في انتظارهم.

ثم توجهت إلى أقرب محل فلافل شعبي، وطلبت منه صبة فلافل «الصبة: ساندوتش مكونه الأصلي الفلافل لكن بفعل متغيرات الزمان دخل عليه الباذنجان والبطاطا والبيض وآخرون..»، ورجوته أن يزيد لي في الشطة قدر همومي وهمومه، أخذتها للبيت وتناولتها بنهم واستمتاع، ونمت قرير العين.