دعونا نتكلم بصراحة، وعندما يتعلق الموضوع بالوطن ومصالحه، فإني أضع الصراحة في المقدمة.

قبل أيام كان هناك حدثان، في الوقت نفسه، لفتا الاهتمام الأمريكي والشرق الأوسط، حيث تم تقديم قانونين من اثنين من المشرعين الأمريكيين في الكونجرس، واحد ضد المملكة وواحد ضد إسرائيل، أحدهما هو قانون مقترح تقدمت به إحدى عضوات مجلس النواب من الحزب الديمقراطي، وكان بخصوص قطع تمويل «القبة الحديدية». طبعا ثارت ثائرة اللوبي المساند لإسرائيل، وحتى زملاء النائبة من الديمقراطيين، وطبعا هذا غير الجمهوريين، وطبعا النتيجة حسمت وبقوة لمصلحة إسرائيل بـ420 نائبا في الكونجرس ساندوا إسرائيل مقابل 9 صوتوا ضدها. ومن قوة اللوبي المساند لإسرائيل، حدث شيء نادر الحدوث!، فمن كثرة الضغوط والنفوذ، النائبة نفسها التي تبنت مشروع القرار لم تصوت مع القرار، وصوتت فقط «حضور»، لأنها تعرف أن من يعادي اللوبي المساند لإسرائيل يعني ذلك نهاية حياته السياسية!. أما الـ9 الذين صوتوا ضد إسرائيل، فاللوبي سيتولى مصيرهم السياسي مستقبلا!.

بينما هناك نائب ديمقراطي يكره الخليج، وليس ذا وزن ثقيل، تقدم بقانون لقطع الدعم اللوجستي عن الطيران السعودي، وحتى بعض أتباعه لم يكونوا يتوقعون أن يمرر القرار، وللأسف تم تمرير القرار بالتصويت: 217 صوتوا مع قرار النائب، و207 ضده، حتى 11 جمهوريا صوتوا مع القرار.


نعلم جيدا أن القرار ولد ميتا، وأن مصيره مثل مصير المحاولة السابقة قبله، ونعلم جيدا أن القرار أداة مفاوضات ومساومات من الحكومة الأمريكية، ونعلم أن هناك قنوات خلفية، لبحث الأمور مع الإدارة الأمريكية، كما هو المعتاد في العلاقات الدولية بين الدول، ونعلم جيدا، وبالتفصيل، خلفية النائب الأمريكي ومنذ سنوات، ونعرف جيدا تأثير الدمية التي يتحكم فيها قائد اللوبي الإيراني في أمريكا، ويرسلها لإقناع النواب ضد السعودية، بما أنه رئيسها في مركز الأبحاث، ونعلم أن هذا النائب الديمقراطي لا يملك كثيرا من الحنكة السياسية، وأنه إلى حد ما يذكرنا بالمثل المعروف «خبل مفكوك»، وتتلاعب به هذه الدمية عن طريق الاستضافات والندوات!، أو يشبه بعض الشيء المقولة التي نقولها نحن البدو في الأمثال «وجه الخبل إذا شيشوه!».

هذا كله لا يهم، لكن كيف أمكن لنائب لا يملك أي مقدار معتبر من النفوذ، ويلتصق بزعيمهم الروحي السيناتور الذي يدعي التقدمية، أن يمرر قرارا ضد المملكة، ونحن نملك علاقات نحو 80 سنة؟! أين النفوذ والتأثير!؟.

الموضوع ليس أن القرار لن يطبق، لكن الموضوع لماذا لم يتم وأده في مهده؟ أو أين النفوذ؟!. لا نتوقع نفوذا أو نتيجة قاصمة مثل اللوبي الإسرائيلي، لكن على الأقل تأثير واضح.

يوسفني أن أقول هذا، لكن كرأي شخصي أعتقد أن أداء سفارتنا الحالي هو الأقل تأثيرا والأقل «دبرة» نسبيا مقارنة بمراحل سابقة!. ذلك ليس تقليلا من قدر أشخاص، فاحترام الجميع وتقديرهم شيء أساسي لدينا، لكن نتكلم عن أداء ونتائج!.

قد يقول البعض إن هناك أفعالا وتخطيطا ما تحت الستار!، ولكن العلني وما يشاهده الأغلبية أن الأداء أقل من المطلوب، وعادة العمل تحت الستار تنعكس نتائجه في العلن بعد فترة، والمثل يقول «ليالي العيد تبان من عصاريها»!.

أما القول إن العلاقات الإستراتيجية بين الدول تحاك وتخطط في أماكن أخرى، والسفارات لا تضع خططا بقدر ما تنفذ، فهذا صحيح، ولكن المثل يقول «الحي يحييك..»، والنشاط والأداء الفعال يمكن ملاحظته!، ولكل كيان في المنظومة أو السلسلة المرتبطة بتنفيذ السياسات دور، وكل يظهر في مكانه، وقادر على وضع لمسته!.

الآن واشنطن أصبحت في مرحلة لم تعهدها تاريخيا، خصوصا فيما يخص عدم الاحترافية، وصار صعبا إخفاء شيء، وأصبحت الأخبار كالمنخال!.

الموضوع مهم، ونعتقد أننا في وضع محايد، وليست لنا مصلحة في نقد أحد دون سبب، بل على العكس ربما النقد يزعل البعض، ويجلب بعض الهجوم والمسبة، التي حدثت سابقا من البعض، بينما «الطبطبة» والمدح قد تجلب الرضا، لكن إذا كان ثمن مصلحة البلد عدم رضا البعض، فمرحبا، فالوطن يأتي أولا، ومقدما على ما سواه، وكلما انتقدت جهة معينة أتذكر كلمات الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، أحد أعظم قادة العرب في التاريخ الحديث بشهادة الجميع، أعدائه وأصدقائه، صانع المستحيلات، وأحد أهم محنكي ودهاة العرب في العصر الحديث، والمرجع في علم الرجال والتخطيط الإستراتيجي، ومع ذلك كان لا يحب أبدا جملة «الشيوخ أبخص!»، حيث كان يقول دائما: «فإذا كنا أعلم، فلماذا أسأل وأستفهم؟!».