المجتمعات الفوضوية لا تستطيع تنظيم حياتها وفق خطة مدروسة. ولا تستطيع أمة من الأمم أن تحقق أقصى الفعالية في الداخل أو الخارج إلا إذا كان النظام هو الذي يُسَير خطوات أفرادها.. عندها نستطيع أن نصف هذا المجتمع المنظم بالخاص و"الخصوصية" المتميزة الخلابة. وقد يستغرب القارئ لماذا وصفت آيسلندا بتلك الخصوصية!
نعم، فهو مجتمع لديه حياة خاصة جداً.. حياتهم الاجتماعية ليست مجرد مجموعة من الأفراد يقطنون في مكان واحد بشكل عبثي، بل هي تتضمن – أي الحياة الاجتماعية الآيسلندية- كيف يتصل الأفراد مع بعضهم البعض ويكونون مجموعات من الأنظمة، مثل الاقتصاد والتنظيم السياسي والقيم والأفكار والتكنولوجيا وأنماط السلوك المتوقع، أو ما يسمى بالتفاعل الاجتماعي.
وهذا خلق لهم مجتمعا آمنا جداً، فهناك 700 شرطي فقط في أنحاء هذه الدولة الجزيرة، ولا يوجد سوى 130 سجينا يتم إخراجهم إلى بيوتهم في فترات الأعياد. ومنذ عام 2000 إلى هذه السنة لم تُسجل في آيسلندا سوى تسع عشرة حالة قتل. وقد أصبحت آيسلندا في السنوات الأخيرة واحدة من أغنى وأكثر البلدان تقدماً في العالم، ففي عام 2010 صنفت في المرتبة 14 بين دول العالم المتقدمة وفقاً لتقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، ورابع أكبر بلد منتج حسب الفرد في العالم.
كما أن مجتمعها متقدم تقنياً وعلمياً وثقافياً. وآيسلندا تملك أكبر عدد مكتبات بالنسبة إلى عدد السكان في العالم.
وبالعودة إلى المجتمعات الفوضوية نجدها تعاني من رؤية عقيمة للتنظيم السلوكي على سبيل الإنتاجية والحرية.. مجتمع يتسم بالفوضى في تعاملاته اليومية وفي دوائره الحكومية.. فوضى في الدراسة، وفوضى في العمل. ولا ننسى فوضى الواسطة وأولوية العمل بناءً عليها.. تكتسح الفوضى جميع ميادين حياته حتى طالت الفتاوى الدينية.. وهلم جرا.
إذن ما هي بواعث الفوضى في المجتمعات العربية؟
كُنا ومازلنا نطمح أن نكون مجتمعات مُنظمة راقية تسير وفق أنظمة سهلة مُريحة. إن التنظيم يعد وسيلة لتحقيق الانسجام وتلافي الازدواجية والاستفادة من القدرات والطاقات وتحديد العلاقات بين الأفراد وبين الإدارات والمساعدة على نقل المعلومات، وتوحيد الجهود وتوزيع الصلاحيات.
ولقد عرف المسلمون التنظيم قبل أن يعرفوا في الإدارة الحديثة شيئاً، وذلك بما يزيد على 14 قرنا، من واقع المبادئ التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، أو ما وضعه الخلفاء الراشدون في هذا الصدد، فقد عملوا على مبدأ التخصص وتقسيم العمل، حيث كانوا يحرصون على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذا تماماً ما نحتاج إليه، ابتداءً من معلم أطفالنا وانتهاءً بأعلى موظفي الدولة.
ومن جهة أخرى، في الناحية الفكرية، أصبح أغلب شباب المجتمعات العربية يعاني مما يسمى (الوعي المبعثر) بين الفوضى والحق في ممارسة الحياة وفق منظومة الخصوصية والشرائع الاجتماعية المحكمة في مجابهة الانفتاح - من بعض فئات المجتمع - في تقبل كل جديد والتشبث بالماضي ووضع العرف قاعدة للسلوك ومعيارا للنظرة إلى الأمور، عوضاً عن التصدي للحاضر، ومجابهة المستقبل في ظل هذا الانفتاح والعولمة. نرى الفكر الأحادي يسيطر على المجتمعات، مما أدى إلى الانكفاء على الذات، وهي كأولية دفاعية للإنسان تسير في اتجاه التقوقع والانسحاب بدلا من مجابهة التحديات الراهنة. وتشيع هذه الأولية كثيراً في ردود فعل الإنسان تجاه مختلف حالات الفشل، يصحبها إحساس داخلي بالعجز وقلة الحيلة ويحد من طموحاته، وذلك بأن يتقبل مصيره أو يحاول إيهام ذاته بتقبل المصير، ويغرق في بؤسه الذي يأخذ عنده طابع القدر والنصيب، مما يقلل من مجالات نشاطه إلى أبعد مدى ممكن، أو يترك نفسه للظروف تسير حياته في كل اتجاه ودون اتجاه.. لا يدري كيف سيكون، ومن هنا تبدأ فوضى نفسية تنعكس على الواقع الاجتماعي.
كنت دائما مؤمنة ومازلت أؤمن بأن الخصوصية تكمن في التنظيم والرقي في التعليم وفي العمل.. في الفكر والحريات وليس في قمعها.
نسيت أن أخبركم أنه بالرغم من انتشار دور السينما في آيسلندا بطول البلاد وعرضها إلا أنه لم يحدث أن عرض فيلم مخل بالآداب منذ نشأة السينما لديهم، بالرغم من أنه لا يوجد قانون يمنع ذلك.
وهذا يذكرني بمقولة الإمام الغزالي "الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن.. الحرية هي أساس الفضيلة".