تتعرض البنوك المركزية في مختلف دول العالم، إلى مزيد من الضغوط التي يمارسها بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، ويتوقع أن ينضم إليهما البنك الاحتياطي الفيدرالي، وذلك لإجبارها على أن تأخذ تغير المناخ بعين الاعتبار عند صياغة السياسة النقدية.

ويرى كثيرون أن البنوك المركزية يمكنها أن تلعب دورا مؤثرا، في عملية تغير المناخ، عبر توجيه سياساتها النقدية لدعم أنشطة بعينها، لا تؤثر سلبا على المناخ.

وفي هذا الإطار، تُلزم فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية، المتعلقة بالمناخ «TCFD»، التي يرعاها مارك كارني، رئيس بنك إنجلترا السابق، الشركات بالإفصاح عن تعرضها للمخاطر، المتعلقة بأشياء مثل انبعاثات الكربون، فيما تلزم الفرقة المتعلقة بالطبيعة، والتي كشفت عن 30 مجموعة من الخبراء الماليين والشركات.

قضية جرين

ميجان جرين إحدى البارزات في الدعوة إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات، وهي زميلة بارزة في كلية هارفارد كينيدي للإدارة الحكومية، وكاتبة عمود في صحيفة «فاينانشيال تايمز».

ترى أن «تغير المناخ يمثل تهديدا وجوديا، يتطلب إجراءات فورية، مع دور قوي للبنوك المركزية، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي. وتجادل بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي لديه بالفعل الأدوات اللازمة، للتعامل مع تغير المناخ، وأن تفويضه المزدوج لضمان استقرار الأسعار على المدى الطويل، وتوفير الحد الأقصى من فرص العمل، يمنحه بالفعل سلطة التعامل مع تغير المناخ، مما قد يؤثر بشكل خطير على كلا الهدفين.

لطالما اختارت البنوك المركزية الرابحين والخاسرين، وفقًا لتقديرها الخاص، وستفعل ذلك دائمًا. ومن ثم، «قد يفكرون في الأمر ويعالجون واحدة من أكبر الأزمات التي نواجهها».

وذكرت جرين عددا من النصائح، التي يجب على البنوك المركزية اتخاذها في معالجة تغير المناخ «أعتقد أن البنوك المركزية يجب أن تستمر في التفكير في جانب الاستقرار المالي، كما ينبغي عليها أيضا معرفة كيفية توفير التمويل لتعديل أنماط حياتنا، بحيث تكون أكثر استدامة».

مخاطر

ترى جرين عاملين رئيسيين في التعامل مع التهديدات الوجودية: تأثير التهديد واحتمالية حدوثه، من الواضح أن تغير المناخ يمكن أن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد، ولكن تقدير احتمالية هذا التهديد صعب للغاية، هناك كثير من عدم اليقين المحيط بتغير المناخ.

بدوره، شهد العالم روجر بيلك جونيور مؤخرا أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي جادل لسنوات عديدة، بأن تغير المناخ البشري يمثل مشكلة ويجب القيام بشيء حيال ذلك.

ولسوء الحظ، فإن التوجيهات العلمية الرئيسة حول المناخ، التي توجه السياسة قد انحرفت عن المعايير الأساسية للنزاهة العلمية.

أحد الأسباب الرئيسة لهذا التحول، هو أن علم المناخ قد تم تجنيده بشكل متزايد لدعم مناصرة السياسة، بدلاً من إثراء المناقشات والقرارات المتعلقة بالسياسات.

ويجادل بيلك أيضا أن «سيناريوهات المناخ التي تشكل أساس كثير من الأبحاث حول المناخ، وتأثيراته واستجاباته السياسية، قد عفا عليها الزمن بشكل سييء، ولم تعد تقدم نظرة ثاقبة للمستقبل المعقول».

التغير

عند التعامل مع تغير المناخ، من المفيد التفكير في الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دوجلاس نورث ومصطلح «الكفاءة التكيفية»، والذي يقصد به اكتشاف المؤسسات التي يمكنها التكيف من أجل «حل المشكلات المرتبطة بالتغير الاقتصادي الأساسي».

ويشير إلى أربعة شروط ضرورية لعملية تعديل سلسة:

«1» نظام معتقد مشترك حول الغايات المشروعة للحكومة وحقوق المواطنين.

«2» دستور يضع «قيودا على اتخاذ القرارات الحكومية».

«3» «الملكية والحقوق الشخصية»

«4» حكم القانون الذي يحمي حقوق المواطنين «ضد الانتهازية ونزع الملكية من قبل الموظفين العموميين».

إن المجتمع الذي به هذه الأنواع من المؤسسات «الرسمية وغير الرسمية»، لديه فرصة أفضل للتعامل مع تغير المناخ، وتعزيز التقدم البشري.

مثل نورث، يدرك تشارلز بلوسر، الرئيس والمدير التنفيذي السابق للبنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، الحاجة إلى مؤسسات أو قواعد سليمة، لضمان أن السلطة المركزية محدودة، وتوسيع نطاق خيارات السياسة الجيدة.

استنتاج

لا يمكن القضاء على عدم اليقين بسهولة، ولكن يمكن اتخاذ خطوات للحد من عدم اليقين المؤسسي، من خلال اعتماد نهج قائم على القواعد في السياسة النقدية، ستكون البنوك المركزية أكثر محدودية، وسيكون هناك قدر أكبر من اليقين بشأن مسار السياسة النقدية، وستكون التوقعات العامة بشأن دور السياسة النقدية أكثر واقعية، مما سيزيد من مصداقية البنك المركزي واستقلاليته.

بدلاً من جعل الاحتياطي الفيدرالي يدعم السندات الخضراء، أو استخدام أسعار الفائدة السلبية لتوجيه الأموال إلى الاستثمارات الخضراء، سيكون من الحكمة التركيز على ما يمكن أن يفعله الاحتياطي الفيدرالي - أي التحكم في نمو الأموال والائتمان، وتحقيق الاستقرار في مستوى السعر على المدى الطويل، والحفاظ على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي على مسار نمو مستوى.

هناك ما يبرر شكوك جرين الأصلية، بشأن إعطاء الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى، دورا رئيسيًا في معالجة تغير المناخ - سواء في توفير الجزرة أو استخدام العصا، لتقليل غازات الاحتباس الحراري من خلال السياسة النقدية المستهدفة، وقد قالت في ديسمبر 2019:

«في حين أنه من الجيد أن يعترف محافظو البنوك المركزية، بمخاطر تغير المناخ، فمن المهم أيضًا أن يدركوا ما يمكنهم، وما لا يمكنهم فعله حيال ذلك، ربما يمكنهم إيجاد طرق لتمويل الحفاظ على المناخ».