أحدثت وسائل التواصل الاجتماعية Social Media تنميطًا شبكيًا لبنية افتراضية تتكون من مجموعة من الفاعلين والعلاقات والتفاعلات الديناميكية لتداول فيضان لا حد له من المحتوى المعلوماتي، والذي شكل مصدر قلق متزايد في كيفية حفظ خصوصية البيانات Privacy Data وعدم انتهاك حقوق المستخدمين أو المتلقين على حد سواء، والتي تتضمن الحق في فرض أحكام وقوانين الخصوصية فيما يتعلق بالتوثيق والتخزين والنشر ، وإعادة الاستخدام والمشاركة لأطراف لا متناهية العدد.

لقد أطلقت وسائل التواصل الاجتماعي رصاصة الرحمة على الخصوصية كما أشار إلى ذلك Pete Cashmore بقوله «Privacy is dead, and social media holds the smoking gun»، حيث يراود مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي رغبة جامحة ومتجددة بنشر ما يحلو لهم على منصاتهم المفضلة، وتغمرهم نشوة الشعور بالسعادة حين يجدون التضامن من المتابعين وزيادة عدد المتابعين وكثرة لايكات الإعجاب.

أصبح الهوس لدى البعض يقودهم لاستثمار تفاصيل أحداث خصوصية حياتهم اليومية وعرض صورهم الخاصة ونشرها رغم أن بثها ليس للمجاهيل، حتى وإن وصل بهم الحال للتلاعب بمشاعر وعواطف متابعيهم بين الفرح والمرح تارة أو الحزن والترح تارة أخرى، فالأهم هو جذب أكبر قدر ممكن للتعبير عن التضامن والإعجاب، وكأن «ماسلو» حين وضع هرمه للاحتياجات الإنسانية الملحة، لم يكن يخطر بباله حينها أن العالم الافتراضي سيصبح أحد أهم روافد احتياجات التقدير وتحقيق الذات وإشباع حب الظهور والشهرة.

لن أتحدث هنا عن هذا النمط من المستخدمين رغم ما يكتنف طابع حساباتهم من دوافع غير مبررة، ولا حاجة لطرح مزيد من الأمثلة على طريقة تعاطيهم لملفاتهم التعريفية أو للمحتوى المعلوماتي الخاص بحساباتهم.

ما أود الإشارة إليه، هو ما تطالعنا به أخبار النيابة العامة بالقبض على من انتهك أحكام نظام النشر المعلوماتي في العالم الافتراضي، كنتيجة لمتابعة ورصد تلك المحاولات التي تظهر بين الفينة والأخرى، وتتعمد نشر محتوى على الشبكة المعلوماتية تحرض فيها على نزعات عدوانية تجاه المجتمع ومكوناته وأطيافه المختلفة بالأساليب اللفظية والإيحائية والفعلية، أو إثارة للبغضاء والعصبية والكراهية بين أفرد المجتمع، أو النيل من الوحدة الوطنية والنسيج المجتمعي، أو التنمر على الآخرين والإساءة لهم بكلام بذيء وخارج عن سياق الاحترام والآداب العامة، أو حتى الإساءة للحيوانات التي لم تسلم من شرور أولئك العابثين.

حيث لم يراعوا مقولة «إذا بليتم فاستتروا» ويتم الاكتفاء بالتصوير والتوثيق المجرَّم قانونيًا، بل تجاوز الأمر لسوء التعامل مع ما تم توثيقه بنشره وكشف ستر العبث بمخالفة صريحة وارتكاب للمحظور، مما جعل النيابة العامة تقف لهؤلاء الأشخاص بالمرصاد حيث تطالعنا من وقت لآخر بالقبض على أفراد يتفاخرون بشناعة صنيعهم ويسيئون لأنفسهم قبل الإساءة لغيرهم.

شعار «فكر قبل أن تشارك» لا بد وأن يكون أحد أوسمة شركات الاتصالات والإنترنت لتوعية المستخدمين بعواقب انتهاك قوانين الجرائم المعلوماتية، وعدم التسرع في نشر المحتوى الهابط ، ومشاركته على منصات أكثر انفتاحًا وإتاحة من أدوات الاتصال التقليدية. كما أن ضبط أدوات الخصوصية وتحديد المستلمين الموثوقين قد تساعد كثيرًا في فلترة رؤية المحتوى غير المرغوب، والحد من مشاركة الأفراد لأي محتوى مسيء لا يعلم مصدره قبل أن يتجاوز حدود التحكم والسيطرة، وعدم القدرة على إيقاف التدفق الهائل لنشره ومواجهة المصير المحتوم والعقوبة.