نظم في العراق الاستحقاق الخامس من الانتخابات البرلمانية بعد سقوط نظام صدام حسين، وهي المناسبة الأولى بعد الاحتجاجات التي بدأت من 2015، ووصلت ذروتها أكتوبر 2019 التي كانت ثورة ضد حكم الزعامات الطائفية المسؤولة عن الفساد المالي والإداري في العراق، بلغ عدد القتلى فيها 740، وأصيب أكثر من 17 ألفا بجروح بينهم 3 آلاف إعاقة جسدية.

ولا شك أن النتيجة الكبرى للانتخابات هي تراجع الأحزاب الميليشياتية الموالية لإيران المتمحورة حول ائتلاف «الفتح» الذي يضم فصائل الحشد الشعبي وغيرها من التنظيمات السياسية المسلحة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في إطار استفحال الدور الإيراني في العراق، فلم يحصل هذا التحالف إلا على 14 مقعدا في البرلمان الجديد، بما يفسر رفضه النتائج المعلنة من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بعد أن كان يسيطر على المركز الثاني في المجلس النيابي السابق، وقد حصل التيار الصدري على المركز الأول في الانتخابات (73 مقعدا) بما يضعه في موقع المتحكم في المعادلة الحكومية المقبلة.

ومع أن نسبة المشاركة في الانتخاب كانت ضعيفة لم تتجاوز %40، إلا أن الاستحقاق الأخير يمكن أن يقرأ من ثلاث زوايا:

أولا: أعرب الشعب العراقي بمكوناته الطائفية المختلفة عن رفضه مشروع الهيمنة الإيرانية الذي أخذ عدة أبعاد طائفية وعسكرية واقتصادية وتحول مع تشكيل الميليشيات المسلحة على غرار «حزب الله» اللبناني إلى قوة مسيطرة على الأرض تتحكم عمليا في المشهد السياسي. والمعروف أن التيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشاب مقتدى الصدر يتبنى خط استقلال المؤسسة الدينية الشيعية عن إيران، ويدعو إلى عودة العراق إلى محيطه الطبيعي العربي، مع التلاؤم والتنسيق مع الدول المحورية في المنطقة. وليس من المستبعد في هذا المنظور التجديد لرئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي الذي نجح في اتخاذ خطوات عملية ملموسة في إخراج العراق من الوصاية الإيرانية وفي العودة إلى الصف العربي.

ثانيا: قد تؤدي الانتخابات الجديدة إلى تقويم الاعوجاجات الخطيرة في الديمقراطية العراقية التي بلورت قواعدها سلطات الاحتلال الأمريكي بعد حرب 2003، فلقد عانت التجربة الديمقراطية العراقية من خللين أساسيين هما: الاصطفاف الطائفي الذي أدى إلى تعميق الميول الانفصالية لدى المكون الكردي العراقي، وإلى تنامي التطرف الراديكالي في أوساط السنة العرب الذين تعرضوا لأقسى سياسات التمييز والاضطهاد من القوى الطائفية المتشددة المدعومة إيرانيا، وفساد الزعامات السياسية التي تولت الحكم باسم الشرعية الديمقراطية، في حين أنها اعتمدت عمليا على مراكز القوة المالية والأمنية التي أوصلت هذه البلاد الغنية إلى الفاقة والفقر.

ثالثا: من المؤمل أن تؤدي الانتخابات الجديدة إلى إعادة بناء النظام السياسي العراقي بمباركة أمريكا، فإذا كان مشروع الدولة في العشرينيات قام على مركزية الجيش في الحياة السياسية، وأصبح منذ نهاية الخمسينيات إلى سقوط نظام صدام حسين مبنيا على هيمنة الحزب الأيديولوجي الواحد، فإن النظام الذي تأسس عام 2003 أضعف وحدة العراق الإقليمية وقضى على هويته الوطنية، من خلال دستور المحاصصة وسلطة التنظيمات الطائفية والميليشيات التي تحولت إلى أحزاب وهمية.

خلاصة الكلام بالعربي سادتي:

أمريكا لن تصرف مليارات الدولارات بالعراق لتتركها بيد إيران! فالأغلب أنها هي من تقود المشهد اليوم وإيران هي أداتها! وتراجع الميليشيات اليوم هو إشارة مهمة إلى أن أمريكا بدأت تتجه لتشكيل الصورة السياسية للعراق؛ كيف سيحكم أو كيف سيدار، فمصطفي الكاظمي رئيس الحكومة العراقية كان في يوم من الأيام رئيسا لجهاز المخابرات العراقي ومعروف بعلاقاته الأمريكية...

سؤال أخير: ما تأثير نتائج هذه الانتخابات في الملف النووي الإيراني، وهل شكلت إضعافا لدور إيران بالعراق، وهو الأهم لإيران أو العكس، وهل الحكومة الجديدة العراقية ستغير من التوجه للعالم العربي بعد تحسن العلاقة مع السعودية، وهل النواة للتعاون المصري - الأردني - العراقي ستستمر؟