تجاورت مقاعدنا على الطائرة المغادرة من الرياض إلى دبي قبل أكثر من شهرين عندما كان ذلك المهندس الأمريكي يشرح لي طبيعة مهماته المتكررة إلى الرياض ويصف لي من حيث لا يدري وجها فرائحيا مبهجا للسعودية الجديدة. يعمل المهندس الأمريكي في واحدة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في بناء رافعات المباني والعمران وبحسب إفادته فإن ما يقرب من 80% من هذه الرافعات المعمارية التي تنتجها شركته في العامين الأخيرين بالتحديد تنتصب فوق بنايات وناطحات سحاب ومدن جديدة على الخريطة السعودية. وفي عمق الأزمة المالية العالمية التي خنقت قطاع البناء والتشييد العولمي، ما زالت السعودية الجديدة، أكبر محفز للاقتصاد العالمي وللسيولة في مفاصل هذا الاقتصاد بحجم مشاريع معلن سيصل إلى تريليون دولار في السنوات الخمس القادمة. لا زلت أتذكر جملة جاري الأمريكي ونحن نهبط مدرج دبي: لقد غرب القرص الذهبي من شمس دبي وبدأت شمس الرياض تشرق من الجهة الثانية. إن التحدي الحقيقي في مثل هذه الظروف المبهجة هو ألا يخفي الوجه الفرائحي للفرحة نقيضه المستتر المخيف والنجاح الحقيقي هو ألا نبني فحسب دون أن نلتفت إلى الضحايا المجهولين في ثنايا هذا الزحف الاقتصادي. تقول الأرقام إننا رابع دولة في العالم من حيث حجم الاحتياط النقدي، والأول بامتياز بتوزيع هذا الاحتياط المئوي الملياري على عدد السكان. نحن نصف أوبك تماما من حيث القدرة على حجم الإنتاج النفطي ونحن أيضا أوائل العالم بلا منازع من حيث حجم الدخل بالمعامل الديموغرافي (نسبة الناتج القومي تقسيما على عدد السكان)، وبالإمكان أن أسترسل في بشائر الوجه الفرائحي بالأرقام والوقائع ولو أنني أنهيت المقال عند هذه النقطة (.) فلربما كنت خائنا لأمانتي الاجتماعية في وسط تضليل زائف دائما من صنع الدلالة الرقمية والإحصائية.
سأذهب إلى النقيض. في بحر الأسبوع الماضي طلب مني الصديق الدكتور ناصر الرشيد زيارة عائلة لأرملة تسكن على بعد مئة كيل من مدينتي سبق له أن قرأ قصتها المحزنة في تحقيق صحفي.
في مدخل القرية الجبلية الساحرة كانت قصور الأثرياء تحكي الوجه الفرائحي بمظاهر الثراء والبذخ الذي تحولت به بعض القصور إلى مجرد استراحة صيفية عابرة. تسكن الأرملة السعودية مباشرة في بيت متهالك تحت ظلال بيوت الأثرياء وبالكاد يجتمعون في غرفة كئيبة تلمح فيها شقوق السقف ورائحة الطين وبلل المطر ناهيك عن الأحلام في أوجه أطفالها الأربعة. بنت تشحذ وظيفة حتى ولو حارسة مدرسية بشهادتها الجامعية وأخت صغرى تركت مدرستها هذا العام لأنها لم تجد قيمة المشوار المدرسي إلى القرية المجاورة وأخوين في عمر المراهقة لم يتركا لي رسما محزنا في زيارتي المبكية بأكثر من تبادلهما ذات زوج الحذاء كلما خرج معي أحدهما لنقضي لهما حاجة. ومن المخجل المعيب أننا نطلب منهما أن يكونا أسوياء أصحاء ونحن معهما ومع غيرهما لم نكن أسوياء في التكافل ولا أصحاء في التوازن الاجتماعي. هؤلاء هم ضحايانا بكل امتياز وهم يعيشون الوجه اللافرائحي المخيف فيما هم يشاهدون في ذات القرية شواهد الوجه الفرائحي مجرد صورة عاكسة على (قرنية) العين ولا تطولها أطراف اليد. هذه القرية صورة بانورامية صغيرة للسعودية الجديدة بالوجهين المتناقضين. لعل من كوابيس الصدفة في ذلك المساء بالتحديد أن أربع صحف على الأقل (فيما قرأت) قد طارت بخبر بارز عن ازدياد نسبة الأثرياء على الخارطة المحلية بما يقارب 14% في عام واحد ولكن: من هو الذي سيقرأ لنا الصورة النقيض في الوجه اللافرائحي؟ من هو الذي سيعطينا النسبة النقيض في زيادة أو نقص نسبة حجم الفقراء وما هي المطبوعة التي ستجرؤ على إحداث الصدمة الاجتماعية بهذا الرقم من أجل حالة وعي؟ من هو الذي سيذكر لنا بقية المشهد اللافرائحي من شواهد الحقائق التالية: عشرة مرضى بالإيدز تكشفهم مختبرات المدينة في الأسبوع الواحد. نصف طن من المخدرات بالتهريب في مجرد عنوان لصحيفة دون أدنى بوادر نجاح اجتماعي أو قانوني في وجه هذه المعركة المخيفة. طالبة واحدة من بين كل خمس لا تستطيع تأمين ريال واحد لعلبة عصير في فسحتها المدرسية. صك طلاق يخرج من بين كل ثلاثة عقود نكاح في كتابة عدل الرياض وهو معدل يفوق حتى المستويات الأمريكية والبريطانية. قصص اختطاف لقصَّر بالغة الفظاظة تقابلها رسائل ابتزاز لمراهقات ونساء بالصور ونحن بهذه القصص الاجتماعية ندخل نفقا مظلما كنا قبله نعاير الغرب البعيد والشرق الأقصى بانعدام المعايير الأخلاقية. مليون ومئتا ألف تأشيرة تصدر في عام واحد فيما نحن نعجز عن توظيف خمس هذا العدد من المواطنين في عقد كامل من الزمن. عشرات الفتاوى المضطربة التي تناقض كل واحدة منها الأخرى ما جعلنا مادة استهلاكية إعلامية. انتهت المساحة وما زال لكم أن تكتبوا بقية شواهد الوجه اللافرائحي مباشرة من خلف الوجه الفرائحي المدهش مع يقيني أن كل واحـد بيننا يعيش ذات الوجـهين بكـل مـا بينهما مـن تنـاقض مخيف ومتسـارع.