الأنظمة الإدارية في مختلف دول العالم قد تبدو متشابهة ظاهرياً، ولكنها تعمل بأساليب مختلفة، وتختلف من مجتمع إلى آخر، لاختلاف العادات والتقاليد والقيم المجتمعية، وهذا ما يسمى في أدبيات الإدارة بـ"الثقافة الإدارية"، لذا يمكن القول أن الإدارة تمتد جذورها في المجتمع الذي تعيش فيه ومفاهيمها متصلة بمفاهيم المجتمع ومتأثرة بأنماط السلوك الشائعة فيه أيضاً.
في المملكة تبنت الإدارة الحكومية النظريات والمفاهيم الإدارية الحديثة والمطبقة في الدول المتقدمة، وأصدرت النظم واللوائح المبنية على هذه المفاهيم، ولكن المشكلة تتمثل في عدم التطبيق، والازدواجية بين النظرية والواقع!، ولطالما تساءلنا عن أسباب ضعف أداء بعض الجهات الحكومية سواء في تعثّر المشاريع التنموية أو سوء الخدمات العامة؟، فالبعض يقول إن السبب يعود إلى سوء التخطيط والتنظيم وضعف الرقابة وتفشي الفساد.
هذه الأسباب في مجملها صحيحة على وجه من الوجوه، ولكنها في تقديري ليست أسبابا حقيقية وإنما هي مجرد آثار لأسباب كامنة وغير ظاهرة لم نتلفت إليها ولم نعطها حقها من الدراسة والبحث.
المشكلة الحقيقية تكمن في قيم وعادات وأنماط سلوك المجتمع الذي نعيش فيه والذي بدوره انعكس بالسلب على الممارسات الإدارية، فهل تساءلنا يوماً لماذا هناك سوء تخطيط وتنظيم في بعض الجهات الحكومية؟ بالرغم من وجود الأنظمة وتوفر الأدوات الفنية التي تساعد على التخطيط والتنظيم الإداري!.
قد يقول قائل: "إن السبب يعود إلى ضعف الرقابة والمساءلة، وبالتالي فإن المسؤول أو المدير لا يلقي اهتماماً بالتخطيط أو التنظيم"، وبدوري أتساءل ما هي أسباب ضعف الرقابة والمساءلة؟، وعلى هذا المنوال، سوف نعود إلى حيث بدأنا، وذلك لسبب بسيط وهو أن الرقابة جزء من وظائف الإدارة الحكومية.
من الانتقادات التي وجهت إلى الإدارة الحكومية عموماً، هي: المركزية الشديدة والأنظمة القديمة، وتعقيد الإجراءات، وكنت أعتقد في السابق أن قدم الأنظمة وعدم مواكبتها للتطورات لها دور فعّال في سوء أداء بعض الجهات الحكومية واكتشفت فيما بعد أن الأنظمة القديمة لا يتم تطبيقها في الأساس!.
كنت أعتقد أن عدم وجود المعايير والسياسات والإجراءات لها دور في عشوائية تقديم الخدمة أو اتخاذ القرارات الإدارية، ولكن اكتشفت أنها موجودة في كثير من الجهات الحكومية ولكنها مجرّد كتب دعائية وشكلية لا أكثر، وكذلك بالنسبة للخطط الاستراتيجية والتشغيلية.. ويبقى السؤال: أين التنفيذ وأين النتائج؟.
صحيح أننا تبنينا فلسفات وهياكل إدارية حديثة، ولكن أثبتت التجربة عدم نجاحها في بيئتنا، وأستطيع القول إن لدينا (ازدواجية إدارية)، فقد تجد الموظف أو المسؤول يتحدث عن النظريات الإدارية والمعايير المهنية، وفي نفس الوقت لا يعمل بها، بل ويخالفها، ويلقي اللوم على الآخرين!.
فنحن على سبيل المثال نطالب بالرقابة وفي نفس الوقت نعمل على مقاومتها وإضعافها، ونطالب بتطبيق الأنظمة والقوانين وفي نفس الوقت نعمل على مخالفتها، نحن نطالب بتفعيل المساءلة وفي نفس الوقت نتهرب من تحمل المسؤولية ونطالب بالإصلاح الإداري وفي نفس الوقت نقوم بالواسطة والرشوة واستغلال النفوذ، وأخيرا نطالب بتحسين الخدمات ونحن نشوهها ونسيء استغلالها ونطالب بالتغيير والتطوير ونحن أول من نقف ضد هذا التغيير!.
من المهم أن نفهم أن نجاح الإدارة في الدول المتقدمة قد انطلق من بيئة ومجتمع متأثر بثقافة إدارية قوية، تستمد من مصدرين: الأول/ إداري وهيكلي والثاني /اجتماعي وسلوكي.
ونحن ركزنا على المصدر الأول في بحث مشاكل الإدارة الحكومية وأهملنا الجانب الاجتماعي والسلوكي، وفيما يلي أطرح بعض الأمثلة للتوضيح:
• الموظفون في الجهات الحكومية يحتقرون كل من يبلغ الجهات المختصة عن مخالفاتهم للأنظمة والتعليمات ويعتبرونه لئيما دنيئاً وباللهجة الدارجة (نذل)، بينما نجد في الغرب أنه من الفضيلة والشرف الإبلاغ عن ما يقوم به البعض من مخالفات، وهذا السلوك ينعكس بالسلب على الإدارة والذي يؤدي إلى التكتم والتستر على قضايا الفساد.
• وجود الطبقية في المجتمع، فالناس مقامات عند البعض، وهنا ينظر المدير إلى موظفيه نظرة احتقار، وفي ظل هذا الوضع تزيد مظاهر البذخ (البرستيج) وتجد بعض القياديين أصبح كالخادم عند هذا المسؤول أو المدير وهذا يؤدي إلى وجود فجوة بين الإدارة العليا والموظفين، بينما نجد في الدول المتقدمة وجود مشاركة اجتماعية على نحو واسع، فتجد المسؤول يقوم بأنشطة اجتماعية ورياضية مع موظفيه.
• من قيمنا الاجتماعية الطاعة العمياء للأب، لذا نجد أن الابن الخانع وضعيف الشخصية قد يكون محبباً لأبيه، بينما الابن الذي ينتقد أو يتمرد على أوامر أبيه فيعتبر ولداً عاقاً، وهذه السلطة الأبوية تمتد من المدرسة والجامعة حتى الوظيفة، لذا نجد من ينتقد ويحلل القرارات الإدارية يعتبر موظفا مشاكسا شقيا يجب التخلص منه، فينشأ جراء ذلك قياديون ضعفاء يتهربون من المسؤولية.
• من خصائص المجتمع السرية والتكتم على مشاكله وإظهار الأمور كلها على أنها بخير وعلى ما يرام، فضلاً عن قضاء الحوائج بالكتمان، وهذا بدوره انعكس على سرية الأعمال الإدارية، فالقرار يتخذ بشكل سري، والترقيات والتدريب تتم بشكل سري، وهكذا.
بالإضافة إلى ما سبق هناك التعصب القبلي والمناطقي، والذي أدى إلى ظهور الواسطة والمحسوبية، وكذلك غياب الهوية المهنية في العمل الإداري فهناك نزعة إلى التقليد والحرص على المكانة الاجتماعية وتنامي المصالح الشخصية.
إذا أردنا نجاح الجهود الإصلاحية في الإدارة، من الضروري إعادة النظر في السلوك والقيم الاجتماعية، وخاصة أن هناك جيلا جديدا من الشباب بدأ بالانفتاح بشكل أفضل على العالم الخارجي، من خلال الابتعاث وغيره وهذا الجيل سوف يواجه تحديات تتمثل في القيم والعادات والعمل المهني في الإدارة والوظيفة.