من أشد المقولات انهزامية التي أثارت تساؤلاتي كثيرًا، كونها صادرة من مثقف له وزنه هي مقولة طه حسين الشهيرة التي أطلقها في كتابه مستقبل الثقافة في مصر والتي يقول فيها: «علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات. علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يكره، وما يحمد فيها ويعاب».

إنها دعوة للمصريين أن يتنازلوا عن هويتهم ويصبحوا أوروبيين في كل شيء، هكذا بكل بساطة ودون «لف ودوران»، يجب علينا أن نصبح أوروبيين ونطبق مبدأ المحاكاة الكلي إذا أردنا التقدم من وجهة نظر طه حسين. لا يوجد أي هامش حرية ولا نملك أي خيارات أخرى، ملغيًا بذلك أي فرص للإبداع والاكتشاف والبحث عن أساليب جديدة ومتنوعة، فنحن أمام جبرية ثقافية تحتم علينا طريقًا أوحدًا لا مناص منه. يقول المفكر السوري جورج طرابيشي معلقًا على دعوة طه حسين الانهزامية: «وواضح للعيان أن مطلب التماهي الكلي هذا ينقض نقضًا عنيفًا مبدأ الهوية. فبدلا من أن تكون الهوية تركيبًا عضويًا لجملة التماهيات الجزئية، فإن التماهي الكلي واللامشروط ينزع إلى محض استبدال آلي للهوية بأخرى مغايرة أو نقيضة. وبدلا من التماهي الجزئي الذي هو عنصر بناء للهوية وإغناء للشخصية، فإن التماهي الكلي لا ينتج، على العكس، سوى كاريكاتور هوية».

لا شك أن دعوة طه حسين الغارقة في التبسيطية غير موفقة ومن العجيب أن تصدر من مثقف بحجمه ومكانته، إنها دعوة للاغتراب عن الذات، أي تحول «الذات» إلى «آخر» ولو أخذنا هذا المقترح المبسط، فمن البديهي تولد شخصية عصابية مغتربة عن ذاتها، تسعى لتقمص الشخصية الغربية وثقافتها وآدابها على حساب الثقافة العربية الإسلامية، هذه الشخصية العصابية يتولد عنها نوع من العنف الثقافي واحتقار للذات، ورغبة قهرية في تشويه صورة الذات، فعملية تحول الذات إلى آخر ليست بالعملية الانسيابية كما يعتقد طه حسين، إنها أشبه بالعملية القيصرية التي ينتج عنها شخصية موتورة وناقمة تكيل الاتهامات تجاه التراث دون كلل أو ملل، فالتراث -كما ترى هذه الشخصية- مسؤول عن أعمال العنف والتطرف، والأدب العربي القديم أدب منحط يدعو للعنف واحتقار المرأة والشذوذ الجنسي. كلها مبررات تطرحها الذات للتبرير لعملية تحررها من الأنا وتقمص هوية الآخر. أذكر مرة قرأت مقالة في إحدى الصحف يشير كاتبها إلى أن قصيدة أبي تمام (السيف أصدق أنباء من الكتب) نموذج للقصيدة الداعشية، لأن أبا تمام يتغزل في القصيدة بالسيف. وكاتب آخر يصف الشاعر المتنبي بالداعشي لأنه كان يصف الحرب وشجاعته في الحرب في إحدى قصائده. وفي تغريدة لأحد المغردين يتهم قصيدة للشاعر الحطيئة بأنها تدعو للعنف ضد الأطفال.

لم تخرج هذه الشخصية العصابية ذات النزعة الشعوبية لحيز الوجود بين ليلة وضحاها، فعملية الانفصال عن الذات تتطلب عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية عديدة، فهي عملية تطورية معقدة وليست مجرد رغبة يقررها العقل والمنطق بكل بساطة. إن علاقتنا الثقافية مع الغرب لها دور كبير في تضخم هذه النزعة وظهور أعراضها المرضية، كما أشرنا في مقالات سابقة. لذا نحن نحتاج فعليا تقييم علاقتنا مع الثقافة الغربية ونحدد طريقة التعامل الفعال معها، ولكن ليس على طريقة طه حسين، بهدف كسر حدة الانبهار بالغرب وتعزيز الشعور بالانتماء للهوية والوطن. إن فهم الغرب وماهيته هي الخطوة الأولى للتعامل معه على المستويات كافة، ودراسته دراسة علمية موضوعية تتسم بالشمول والعلمية دون تعسف، وتتوخى الفهم العميق لبنيته الثقافية والفلسفية.

الظاهرة الغربية واقع معقد ومتداخل إلى أبعد الحدود يتطلب التعامل معها توازنا نفسيا وموضوعيا كي لا تتحول علاقتنا معه لشكل من أشكال التبعية أو ننظر تجاهه نظرة صنمية وكأنه كائن أسطوري يحمل العجائب والأسرار. النظرة المنبهرة الطفولية تجاه الغرب ومنتجاته المتقدمة، النظرة الصنمية غير الناقدة للغرب هي أساس شعورنا بالدونية واحتقار الذات التي قد تنعكس نفسيا وتتحول إلى نزعة شعوبية تسعى لتشويه الذات واحتقاره. وإعطاء مبررات نفسية للانفصال عن الذات والاتصال بالآخر.

ما نحتاجه فعلا، التعامل مع الغرب بموضوعية، فالتحديث لا يتطلب التماهي اللامشروط مع الآخر بقدر ما يعني دراسته وفهمه فهما معمقا بهدف فرز محتوياته المعرفية ونقدها نقدا موضوعيا، يقول جورج طرابيشي شارحا الفرق بين التحديث والتغريب: «وعلى نقيض التغريب الذي يؤسس العملية الحضارية قطيعة في الهوية، يؤسسها التحديث استمرارية واتصالية يكون فيها التماهي مع الآخر ممكنا دون نزع للهوية. وبقدر ما أن التغريب يجبّ ما قبله وما عداه، ولا يعترف بوجود الآخر إلا ليصادره ويلغيه، فإن التحديث، إذ يفهم التماهي مع الآخر على أنه تطوير وإغناء لهوية الذات، لا يقطع مع الماضي ولا مع تراث الذات، بل يوظفها على العكس كعتلة رافعة في عملية التحول الحضاري للذات».