"رحيل حصة" رواية اجتماعية تاريخية متميزة وجادة، من الطراز الأول، ذات عمق معرفي وبعد سيكولوجي ثري، كتبتها الأستاذة فضية الريس، وقد حازت الرواية على مستوى عال من المبيعات، في معرض الرياض الأخير للكتاب. مقالي سوف يتناول الرواية من ناحية أهميتها في تسجيل وحفظ جزء من تاريخنا الاجتماعي والسياسي في شمال مملكتنا العزيز، ولن أتطرق للنواحي الفنية والأدبية للرواية، حيث هنالك منهم أكثر حرفية مني في ذلك.

الرواية، كما رأيتها، عبارة عن قراءة أنثربولوجية متعمقة، لإنسان، شمال شرق الجزيرة العربية، في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. حيث تناولت أسلوب حياته ومعيشته واقتصاده وتعاطيه مع محيطه الوجودي والإبستمولوجي، بشكل عام، والسيكولوجي بشكل خاص.

الرواية تتحدث عن قصة، الفتاة حصة، ذات الثمانية عشر ربيعاً، التي خرج بها عمها، فياض، تهريباً من بلدتهم "التلعة"، للبلدة المجاورة التي تبعد عنهم مسافة اثني عشر يوماً، مشياً على الأقدام، هي وشقيقتها الصغيرة عندل، وشقيقها الصغير حسن، وطفلة صغيرة مصابة بالحمى، توفيت بعد وصولهم مباشرة. أهل البلدة الذين عرفوا بكرمهم مع الضيوف، لم يحتفوا بحصة وأشقائها، خوفاً من أن يكونوا مصابين بالحمى الذي قتل الطفلة، ولذلك تحاشوا الاختلاط بهم وحصروهم في شبه عزلة في غرفة صغيرة مهجورة، يضعون لهم ما تيسر من طعام عند باب الغرفة ويهربون.

عاد فياض عم حصة لبلدته التلعة، وقال لحصة إنه سيأتي بعدما تستقر الأمور في بلدتهم، ويعود بهم إلى هناك. بعد فترة اطمأن أهل البلدة بأن حصة وشقيقتها وشقيقها غير مصابين بالحمى، وتعرفوا عليهم وأوجدوا عملا لحصة في بعض البيوت، بأجر قوت يومها هي وعندل وحسن.

حصة التي كانت تعيش في بلدتها، ابنة سيد كريم، وعائلة متنفذة، في بيت كبير، لديهم الخدم والعبيد، بين يوم وليلة، تصبح هي خادمة في بيوت الناس، تعمل بقوت يومها وقوت أشقائها الصغار. التقلبات السياسية في تلك البلدات والصراع على حكمها، تقلب الأمور فيها من حال السعادة لحال التعاسة المدقعة، بين ليلة وضحاها وبدون مقدمات أو مبررات. لقد تمت تصفية عائلة حصة وأقاربها، تصفية جسدية شبه كاملة، لكونهم أقارب لحكام بلدتها التي تمت السيطرة عليها من قبل أسرة منافسة. حصة بدأت تتذكر حديث العبدة المملوكة لأهلها، مرزوقة التي كانت تروي لها قصة سرقتها من أهلها وبيعها بسوق العبيد، وتجريدها من أي طموح إنساني لها.

وتذكرت حصة مرزوقة، خاصة عندما كانت مرزوقة، تغضب عندما لا يكون هنالك عمل، يطلب منها القيام به، وكانت نساء العائلة، يضحكن عليها، ويعتبرن هذا من طباع العبيد الغبية، الخاصة بهم. خاصة عندما بدأت حصة تحس بنفس شعور مرزوقة، أي كره عدم العمل، لأن كثرة العمل والانشغال به، يدفنها بزحمة الحياة وينسيها مأساتها، مما يخفف عليها أزمتها الوجودية في ظروفها اللاإنسانية التي لم تعتد عليها. ومن هنا اكتشفت حصة، أن ما كانت تشعر به مرزوقة هو حالة إنسانية، ممكن أن يشعر بها الجميع عبيدهم وأحرارهم، عندما يمرون بظروف لاإنسانية، يصعب على الإنسان تحملها وبنفس الوقت عدم القدرة على الهروب منها.

حصة عاشت عشر سنوات تعاني من مصيرها المر، وحظها العاثر، بانتظار عودة عمها فياض، للعودة بها وشقيقها وشقيقتها، لبلدتهم التي فروا منها، حماية لحياتهم. فياض لم يعد ولم تسمع عنه حصة أي خبر، كونه سجن لعشر سنوات عندما عاد لبلدته. وحصة لم تعلم بخبر سجن عمها، المحبب والمقرب لقلبها، حيث هو أقرب الناس شبهاً بوالدها. وعندما أطلق سراحه بعد عشر سنوات، أتى للبلدة ليستعيد أبناء شقيقه، توفي بعد أيام، وحصة حتى لم تكن تعلم بقدومه إليهم، ولكنها علمت بوفاته عندهم، صدمت بعد عناء عقد من الانتظار والمعاناة الوجودية.

في هذه السنوات العشر من المعاناة، كانت حصة تتنقل بنا بين البلدة التي تعيش بها، وبلدتها التي هجرتها، ومع ذلك لم تزل تهيمن على ذاكرتها ووجدانها، وتنقل لنا، المشترك والمغاير بين أهل البلدتين بالطباع والعادات والطقوس والأفراح والأتراح والحياة المعيشية، بوعي أنثروبولوجي معرفي عميق، تغوص فيه في المخيال الشعبي، الأسطوري والديني الشعبوي والخرافي، الضارب في أعماق خيالات الإنسان الأول، المحرك للناس آنذاك، من خلال استعراضها لشخوص الرواية، التي لازمت ذكريات وحياة حصة. والجميل في ذلك أن أغلب شخوص الرواية وأبطالها هن من النساء اللاتي عرفتهن وتعاملت معهن حصة، سواء في بلدتها أو في بلدة لجوئها. وهذا ما أعطى الرواية عمقاً إنسانيا أكثر، حيث تكشف لنا المجتمع آنذاك، من خلال عيون ووجدان النساء، لا الذكور، كما اعتدنا عليه. فالنساء بطبعهن عمليات ومرتبطات بتفاصيل حياتهن اليومية الإنسانية، ولذلك يعبرن بشفافية مبهرة عما يدور حولهن من أحداث. بعكس الذكور الذين، يختفون خلف عقدهم الذكورية، عندما يتفاعلون مع الأحداث الإنسانية من حولهم.

من خلال أحداث الرواية ووصفها لطبيعة الحياة المعيشية في بلدات الشمال، تستطيع أن تجد هنالك نقاط تشابه ونقاط اختلاف بين بلدات شمال الجزيرة ووسطها. فمن نقاط التشابه بينها، كون بلدات الشمال وبلدات الوسط، برغم ترحيبها بالضيف، إلا أنه إذا سكنها وعاش فيها، يعامل كغريب وينظر إليه كغريب، مهما طالت إقامته بينهم.

تتشابه بلدات الشمال والوسط في خوفها ومعاناتها، من الأمراض المعدية والمجاعات التي تجتاحها من وقت لآخر، والتي تحصد في طريقها أعدادا لا يستهان بها من سكانها.

من الأشياء التي تتوفر في بلدات الشمال ولا تتوفر بمثيلاتها في نجد، حسب معلوماتي والمعلومات التي استقيتها من الرواية، هي وجود مساحة من ناحية الحرية الغرامية وحرية الترفيه البريء. فمن الترفيه البريء مثلاً، ما يسمى بلعب البنات، وهو نوع المسابقة بين البنات، أيهن أفضل رقصا. ولجنة الحكم هم الشباب الذي يصطفون حولهن ويشجعون كل واحدة ترقص، ومن يعجب برقص فتاة، يخلع عقاله ويعلقه كطوق حول عنقها. وعندما تنتهي حفلة الرقص، يتم عد العقل المعلقة حول عنق كل فتاة رقصت، ومن يوجد حول عنقها، عدد أكثر من العقل، تكون هي الفائزة.

الجميل في الرواية أنها، تستكشف ما وراء بعض تصرفات الناس غير المنطقية، وتوضح المنطق الأسطوري والروحي الدافع لها. الرواية غنية وثرية من الناحية المعرفية، حيث تغطي جزءا كبيرا مما عجز عن بحثه ودراسته متخصصو التاريخ السياس – اجتماعي لدينا، ولذلك أنصح المهتمين بهذا الشأن وغيرهم بقراءة الرواية والاستمتاع بلغتها الأدبية الجميلة والسلسة والمعبرة بكل دقة وشفافية، عن مضامينها.