تقع العشيرة شمال الطائف على مسافة تزيد على ستين ميلا منها، وهي شمال السيل، وواصل الموكب سفره من السيل إلى عشيرة والمسافة بينهما 35 كيلو مترًا ومجموع المسافة بين مكة وعشيرة 112 كيلو مترًا، وقد استأنف الموكب سفره من السيل في الساعة الثالثة والربع تقريبًا، فبلغ عشيرة في الساعة الرابعة والنصف ليلا، وقد ترجع لوعورة هذا الجانب من الطريق، وللبطء الذي سرنا به اقتضاء لما يتطلبه الليل من هدوء، وبعض السباب التي جعلنا نصل متأخرين إلى عشيرة بعض التأخير. ويكاد يكون هذا الجزء من الطريق أي الواقع بين السيل وعشيرة هو أوعر أجزاء الطريق بين مكة والرياض، نظرًا لأنه يقع في سفوح جبال متصلة، وأحيانًا يصعد إلى هضبات عالية شبه الجبال، إن لم تكن هي الجبال بعينها.

هذه العشيرة! وهذا نورها المضيء قد بدا فأربى على نور القمر الخافت الذي لم يزل وليدًا في مهده، فنحن في الليلة السادسة من الشهر، والهلال ما زال يتدرج من مهد الطفولة وقد اختفى أو هو في طريق الاختفاء وراء الجبال المحيطة بنا، وبعض الرفاق هوُم في سيارته من سهر الليل وتعب ذلك النهار المضني. ولكن ما كاد ضوء عشيرة يلوح من بعد، بعد أن كنا نترقب الوصول إليها، ونتطلع إلى نورها حتى انتعشت في الرفاق روح المرح، وهبت في نفوسهم عاصفة النشاط، فتجاوبوا بين بعضهم، هذه عشيرة، هذا نورها ! هل هو كذلك أم الضوء نور سيارة قادمة؟!.

كلا بل هي عشيرة على التحقيق !! فالضوء ثابت لم يتحرك، وها نحن نقترب منه دون أن يقترب منا !! ولم يطل اللجاج في التحقيق، حتى كنا وجها لوجه أمام تلك الهضبات العالية من الحرار السوداء، وهي الميزة التي امتاز بها ذلك الوادي، بل هي البشير الذي يبشر المسافر من مسافة بعيدة أنه في عشيرة أو على مقربة منها، ذلك بأن حول عشيرة سلسلة من هضبات سوداء، تكاد تكون سلسلة محيطة بها من الحرار القائمة الصعبة المرتقى، ولو كنا قادمين إلى عشيرة في وضح النهار، أو كان القمر كاملا في سطوعه، لتسنى لنا أن نرى عشيرة من مسافة بعيدة مميزة بتلك الهضبات السود المرتفعة.


وكانت سيارات الحمل والأمتعة والخدم قد سبقتنا إلى عشيرة، فلم تبلغها، حتى كانت المضارب منصوبة، والسرج موقدة، والأرض مفروشة، والطعام مهيأ، ولا أبالغ إذا قلت إنه كان فيها من سبقنا إليها من كرام المودعين الذين أبت عليهم أريحيتهم ومروءتهم إلا أن يكون وداعهم لنا من ذلك المكان القصي السحيق ! وكان لقاء جميلا من أولئك الأصحاب الذين فوجئنا بمرآهم، بعد أن كنا قد لقينا من سفرنا نصبا، وبعد أن كنا قد كابدنا منتهى التعب منذ فجر ذلك اليوم إلى ما يقارب منتصف ليله! ولم يلبث أن زال من أجفاننا ذلك الخيال الذي كان يداعبها من قبل، خيال التهويم والإغفاء، ولم يلبث أن زال من أجسادنا ذلك التعب المضني الذي كنا نشعر به من قبل، أو قد خيل إلينا أنه زال ! وألقينا بأنفسنا فوق الأرض الوثيرة بداخل الخيام، وانقسم الوفد إلى ثلاث خيام. ولكن اجتمع الجميع في خيمة واحدة، لثلاثة أشياء هي السمر، وتناول العشاء، وطلب الدفء، وكان البرد شديدًا، شديدًا إلى درجة مزعجة.

أجل هذه عشيرة وهي أول مرحلة ننزل للمبيت فيها من مراحل الطريق، وهي أول ليلة نبيت فيها غرباء عن أهلنا ومنازلنا، أجل هذا البرد الشديد القارس، ولئن جاز الاحتماء منه في داخل الخيمة واللجوء إلى الدفء تحت الفراش الوثير، فكيف الفرار منه في عمل لا ينجي فيه الفرار!

فالوضوء أمر لابد منه للصلاة، وليس هناك من الأعذار ما هو متاح لاستبداله بالتيمم، وها هو طعام العشاء قد دنا وقد صف الخوان، ولو استذكرت أذهاننا ما سنلقى بعد تناوله من الماء في غسيل اليدين لأضربنا عن تناول الطعام، ولكففنا عن الأكل اتقاء المشقة التي عانيناها في السيل ! وهناك شيء ثالث لا حيلة في احتماله، فاستعمال الماء من الخارج أمر إن جاز تلافيه وأمكن تداركه، فكيف يمكن تلافي استعمال الماء من الداخل، فنحن إذ نتناول الطعام لا يمكن إغفال الحاجة إلى تناول شربة من الماء، وكيف السبيل إلى تناول شربة من الماء والمرء لا يكاد يستطيع لمس الإناء الذي فيه الماء من خارجه، فما بالك بما في داخله؟!

1939*

* صحفي وأديب سعودي «1905- 1973».