هناك مقولة مشحونة بالمعنى والمدلول الوظيفي والتأثيري للشعراء، وتنعتهم بالارتواء المعرفي الذي يخترق موانع المعقولية الثابتة والمستقرة ويتكئ على استدعاء الغد، في محاولة للكشف عن كونيته ومجاهيله، من خلال تحريك مضخاتهم الشعرية وكثافة استشعارهم وحواسهم وتفجيرهم الاستثنائي المدهش والممعن في تجلية أغوار الروح والجسد، تقول المقولة: "الشعراء جواسيس المستقبل" كما قرأنا ذلك في قصيدة أمل دنقل "لا تصالح" والذي يؤكد على أن الشاعر في أعماقه يمقت الالتفات إلى الوراء، وقد لمست ذلك الحس والملمح والتجليات والنسق الصاعد والرافل في شعر الشاعر السوري بدوي الجبل "محمد سليمان الأحمد" المعذب والمشرد والمطارد المنفي من بلد إلى آخر، والذي بدأ حياته في السجن وأنهاها في المنافي العربية والأجنبية، فكم أجهده جبروت النظام الفاسد والمعتم وحيل بينه وبين الشام فأرسل حنينه واحتداماته وبوحه الحميم: "لا تلمه إذا أحب الشآما طابت الشام مربعاً ومقاما.. بردى والورود في ضفتيه مصغيات لشعره والخزامى".
وتتجسد وطنية بدوي الجبل في الدفاع عن وطنه في وجه كل طاغ وباغ كما يقول الدكتور يحيى شامي. فوطنه لن يركع أو يسجد إلا لله مهما تفنن الطاغية في الخسف والظلم والعدوان، ومهما أمعن في التدمير والتخريب، يقول بدوي: "يسومنا الصنم الطاغي عبادته لن تعبد الشام إلا الواحد الأحدا.. وجه الشآم الذي رفت بشاشته من النعيم لغير الله ما سجدا.. تفنن الصنم الطاغي فألف أذى وألف لون من البلوى وألف ردى.. لو استطاع محا أمجادنا بطراً لم يبقِ منهن لا بدراً ولا أحدا".
والذي يقرأ بدوي الجبل يشعر بالرجفة والذهول وهو يهرق جرار شعره وكأنه يلامس دم الظلمة وساقية الموت التي يديرها طغاة سورية الآن لتحصد شموس الحياة فتحيلها إلى حقول من عويل ومدائن من نحاس ولهب: "ضم الثرى من أحبائي ليوث ثرى وغاب تحت الثرى منهم شموس هدى.. قبور أهلي وإخواني وغافية من الطيوف وأسرار ورجع صدى".
رغم وطأة العذاب والغربة والوحشة لم ينس بدوي الجبل شهداء الحق، فهو لا يبكيهم مهما أسرف المستبد في القتل والتنكيل: "جل هذا الدم أن يرثى له عار سفاكيه أولى بالرثاء".
ولكن النظام الآثم والمتسلط لم يرحم شيخوخة بدوي، حين عاد عجوزاً ثمانينياً طاعناً في السن وهو يردد: "ضمتني الشام بعد النأي حانية كالأم تحضن بعد الفرقة الولدا". فقد أقدمت سيارة مجهولة على صدمه قصداً، وكان رموز الحكم الهمجي والمسعور وراء الحادث ليموت سنة 1980.