لو قدر ليّ أن أقف خطيبا، لجعلت عنوان الخطبة «آداب الواتس»، لأفتتحها بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.. أيها الناس، اسمعوا وعوا، وأدركوا وتمعنوا، فبين أياديكم أجهزة فيها تطبيقات تأخذ جلّ أوقاتكم، وتشغل نفوسكم وراحة بالكم، ومن أهمها ما يسمونه الـ«واتس آب».

فحري بكم أن تتفقهوا في منهجه؛ لأن استخدامه صار على مدى الساعة، فإذا صلُحت علاقاته صلُحت معها علاقات اجتماعية قائمة عليه. فمن آدابه:

أن وجود خطين أزرقين لا يعني بالضرورة أن المرسل إليه متفرغ لك، ويحتسي القهوة وينتظر رسالتك البهية، بل ربما قد فتح رسالتك في غمرة انشغاله مع آخرين أو في أثناء وجود صبة فلافل بين يديه، فيكون في موضع لا يسمح له بالرد، فارفقوا بإخوانكم، واتركوا عنكم سوء الظن.

وإذا وصلت لأحدكم رسالة ثم حذفها، فلا تسألوه لم حذفتها، فوالله الذي لا إله إلا هو أنَّ «الزول» ما حذفها إلا لأنه أرسلها بالخطأ، ولا يريدك قراءتها، إذ يروى عن أحد دهاة العرب أنه قال: لم يغلبني إلا جارية رأيتها تمشي وفي يدها طبق مغطى، فسألتها: ماذا في الطبق يا جارية؟، قالت: ولِمَ غطيناه إذًا؟.

ومن آداب الواتس: أن ترسل ما تريد بشكل كامل واضح وبرسالة واحدة، لا أن ترسل العبارات تباعا أو تفصل بينهما فترة طويلة.

ومن آدابه: ألا تكثر الهاءات عند الضحك، لئلا تفقد رزانتك، ولا ترسل الورد أو القلب الأحمر للطرف الآخر، فإن ثلة من القوم - للأسف - لا يزال يذهب بفكره بعيدا، وما يضيرك لو استبدلت قلب أخضر أو كفين متقابلين أو نجمة بها، فذلك أدعى لسلامتك وراحة بالك، فقد قالت العرب قديما: «الباب اللي يجيك منه ريح سده واستريح».

أيها الأدمن: لقد أعطاك الله منحة عظيمة ومسؤولية جسيمة، وجعلك «مسؤولا» على مجموعة، لكن لا تصدق نفسك «زيادة»، وكن أهلا لمنصبك، ولا تضيف أحدا دون إذنه، ولا تتعامل مع الأعضاء كأنك رئيس مجلس الأمن، ولا تحجر عليهم واسعا، فهو متنفسهم في زمن كثرت فيه الهموم، وادلهمت به الشدائد.

وأنت أيها العضو المبجل في القروب: «تراك أزعجتنا» بكثرة رسائلك التي أقضت مضاجعنا، احترم خصوصية القروب وهدفه، ولا تكثر الرسائل، تكفيك رسالة أو رسالتان، فوالله وبالله وتالله لا يكاد يقرأها أحد، ولا تستعرض أو «تتميلح»، وإذا «بغيت تسولف»، فليكن ذلك على الخاص الله يسعدك.

قيل لحكيم: ما بالك قد كرهت الواتس؟، فقال: يا أخي يرسلون ليّ، وبعدها بثوانٍ معدودة يدقون علي «مكالمة واتس» ويزعجوني، ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك؟، فقال: أبكي لحالي، فإن الواتس قد شتت عقلي وأشغل فكري، فلم يعد النور يشع من قلبي، ولم تعد الحكمة تخرج من بؤي «فمي يعني»، بل صرت «مقضيها» من قروب إلى قروب، وفي رسائل ليس لها «سنع»، أخبار مكذوبة ومعلومات متناقضة ومشاعر متضاربة.. أفهمت عليّ «تؤبرني»؟.

وإنني - معاشر الواتسيين - أتفهم مشاعر الحكيم، وأوافق قوله، فإنك تصحو من نومك على رسائل كثيرة، ولا تدري بأيها تبدأ، ولا على أيهم ترد، في وقت لا يراعي أغلب الناس ظرفك، بل وصل حال البعض إلى مراقبة أوقات اتصالك بالنت، ويلومونك إذا كنت متصلا بالنت ولم ترد عليهم، وكأن «ما في بهالبلد إلا هالولد».

واعلموا - رحمكم الله - أن الواتس صار جزءا أساسيا من حياتنا، فلا تستهبلوا، ولا تضايقوا الآخرين، وإذا أزعجكم أحد، فاحظروه بدلا من السب والشتم «والحلطمة»؛ فإن للحظر متعة كضربة قاضية لملاكم.

واحفظوا رسائلكم، وحافظوا على أخلاقكم، فإن أخلاق التقنية لا تقل شأنا عن أخلاق الواقع، وإنكم ستحاسبون على كلماتكم التي تقال عبر الأثير في يوم الميعاد والمصير.

أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه وتوبوا إليه.. إنه هو الغفور الرحيم.