... ميليشيات الحوثي تقطع خدمات الاتصالات والإنترنت عن محافظة مأرب، المؤسف أن تظل وسائل الاتصالات وخدمة الإنترنت تحت سيطرتها في صنعاء، حتى في العاصمة المؤقتة عدن تحت رحمة الميليشيات.. هل يعني التسليم ببقائها تحت تحكم «ميليشيات»، لتعذر تأسيس الشرعية خدمة مستقلة تسيطر عليها محض إشكالية فنية؟ أم أن ذلك يعطي دلالة انفصال، أم أن صناعة النت تصدره الولايات المتحدة للعالم كله عبر كيبل بحري، وتمنح صلاحية القطع والتأسيس حسب قوانين السلطة المركزية بعاصمة كل دولة، ولا تمنح رقما دوليا آخر لسلطة، حتى المعترف بها دوليًا، كما هي بالحالة اليمنية.

... في حين البنك المركزي تم نقله إلى العاصمة المؤقتة عدن تقابله ميليشيات الحوثي برفض الأوراق المالية التي طبعها البنك المركزي الرئيس في عدن، ولذلك مكاتب منظمات المساعدات الإنسانية والطبية والصحية والإغاثية الدولية والأممية في صنعاء، وتصب في مصلحة خزينة الميليشيات عبر مستخدمين يسددون شركات اتصالات مقابل خدمة الإنترنت والاتصالات، وتجني من جرائه الميليشيات مليارات الريالات اليمنية من مدفوعات الحكومة الشرعية والمواطنين اليمنيين بمحافظات جنوب اليمن المحررة ومحافظة مأرب الصامدة، وتصب ضرائب المدفوعات بلا شك في خزينة الميليشيات الحوثية المسيطرة على العاصمة صنعاء، التي توجد فيها شركات الاتصالات. ...

ومن البديهي أن الميليشيات تخترق سرية عملائها من خلال الشركات المشغلة الموجودة إداراتها في صنعاء، وتتحكم فيها كما تحكمت في ميناء الحديدة، وتنفرد بعائدات الجمارك والضرائب، ولماذا لا تنشأ شركات اتصالات مستقلة للجنوب ومأرب أم لا يمكنهم ذلك لأسباب فنية؟ الواقع يشي بأن الأمر متعذرًا؛ لذلك من دون سقوط صنعاء، ستظل الميليشيات هي المتحكمة.. ومنها تنطلق في عدوانها على المحافظة الوحيدة خارج سيطرتها (مأرب) بشمال اليمن، ومن الغريب أن نستمع لمسؤولين من الشرعية عبر قنوات إخبارية ومن بينهم عسكريون، عن رجحان كفة قوات الميليشيات على كفة «الجيش اليمني»، من حيث العدد والعدة على الأرض، كما هو جارٍ في لبنان ميليشيا حزب الله تتفوق على الجيش اللبناني.


... المحزن أن نظل نستمع يوميًا إلى مطالبات ومناشدات ونداءات لـ«المجتمع الدولي» بالضغط على إيران التي تسلح ميليشيات الحوثي منذ الانقلاب على الشرعية، ولا غرابة أن المجتمع الدولي «أذن من طين وأذن من عجين» ؛ فالمجتمع الدولي تجسد في دول الفيتو الخمس بمجلس الأمن الدولي، أعلى سلطة تنفيذية في هيئة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأكثر تأثيرًا؛ الإدارة الأمريكية التي تقود العالم تلك المكونات برئاسة أمريكا التي تصنع أحداثه، ومتى شاءت أطفأتها مؤقتًا.

... منذ 1956 لم تسهم في حل أي صراع؛ ومنه امتلكت خيوط اللعبة الأممية، وكذلك الأمم المتحدة منذ عام 1967 مرورًا بعام 1973، وما بعده من أحداث وصولًا إلى 2011، لا دور فاعلًا منها ومجلس أمن تتحكم فيه خمس دول، وتختزل الفاعلية في الإدارة الأمريكية، ما أن تنحسر قليلًا فوضى ودماء الحروب ويعم هدوء مؤقت، تفتح بؤر صراعاتٍ، وهكذا دواليك.

... ومن يظن أن «المجتمع الدولي» سيهب لنجدة أي شعب تحكمه ميليشيات انقلابية أو تتقاذفه صراعات سياسية حزبية... بل إن إستراتيجياتهم هي ديمومة الغليان بالمنطقة العربية وتجهض أي دور عربي لردع ميليشيات مارقة تعمل لمصلحة دولة ذات أطماع سلطوية وطائفية، فلو خمدت ستكون الدول التي يعبر عنها مجازًا «المجتمع الدولي» دوله هي المعرقلة، لذلك إيران مطمئنةً ولا تأبه بطنين تصريحات وردود أفعال كلامية مستهجنة وفارغة المضمون.

... وأكبر دليل الإلغاء الفعلي الذي مارسته الدول الخمس لمفاعيل قرار مجلس الأمن 2216، والذي صدر تحت البند السابع ضد من يعرقل تنفيذ القرار، تحايلت عليه دول الفيتو، بمفاوضات حول تنفيذ بنوده وصولًا إلى تمييعه، وأيضا غض الطرف عن السفن الإيرانية التي لم تتوقف عن تزويد ميليشيات الحوثيين جهارا نهارا، فيما دول مجلس الفيتو، وعلى رأسهم أمريكا يتحايلون بالإعلان عن ضبط أسلحة مهربة من إيران لميليشيات الحوثي؛ لا تمثل معشار معشار في المائة مما يتم وصولها لميناء الحديدة؛ ولذلك عرقلت تلك الدول، بل حذرت من استعادة الحديدة كي تظل تستقبل الأسلحة والخبراء وعملاء الولي الفقيه وحرسه الثوري كحزب الله اللبناني وميليشيات الحشد وغيرها من أذرعه الإرهابية.

... من جانب آخر؛ لم ينفذ أي قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع أو دونه، منذ القرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل من الضفة وغزة والقدس الشرقية وكافة الأراضي المحتلة، ويعد أشهر رقم «كذوب في العالم»، ويليه الرقم 2216 الخاص باليمن، فلا يستغربن أحدٌ أن تظل ميليشيات الحوثي تسرح وتمرح وتتحكم في مؤسسات أممية إنسانية وصحية إغاثية واتصالات وإنترنت، وتلك المنظمات تميل وتحابي الميليشيات.

... فلا غرابة أن تتحكم ميليشيات انقلابية بأكبر نشاط عالمي «الاتصالات والإنترنت»، فيما تعدُّ محض ميليشيات «غير معترف به دوليا» ظاهريا، وتتعامل معها الدول الخمس الكبرى وغيرها من تحت الطاولة تقربا لإيران.

... فيما الحكومة الشرعية تضخ مليارات الريالات اليمنية للميليشيات مقابل خدمة الاتصالات والإنترنت، إضافة لمواطنين يمنيين، بظل حكومة شرعية، ناهيك عن مقاصات مدفوعات متبادلة مع شركات الاتصالات حول العالم، في حين الحكومة الشرعية لم تحرك ساكنا بالسعي لنقل غرف التحكم والسيطرة لخدمة الاتصالات والإنترنت إلى العاصمة المؤقتة عدن لتحقق موردا ضرائبيا يؤكد أنها الشرعية المعترف بها دوليا... ولا أظن ذلك في قائمة اهتماماتها.