لكن لماذا «الأورج»؟! أليس «الأورج» آلة موسيقية !؟ نعم، هو كذلك، لكن الأهم ألا تكون آلة وترية، تعزف على وتر التطرف، فيعلو وترها على وتره.
ولأن التجربة خير برهان، فالعديد من الأغاني ذات الرداء «المتأسلم» لم تلق رواجا، ففشلت هي الأخرى، لكنها جعلت «الأورج» البداية لتقديم أحدث ابتكاراتها في هبة ما يسمى «الشيلات»، التي تعلم هي الأخرى بفشلها، ولكنها تكابر على مضض. يبقى المجد للأغنية التقليدية طال الزمن أو قصر، لأن قوامها الأساسي هو الموسيقى، التي كانت البلسم لكل متألم، والأمل لكل يائس، والنور لكل تائه، والرفاهية التي ترأف بحال الكثير منا، والشعلة الوطنية التي ما أن نسمعها إلا ووحدت صفنا. وبالرجوع للأربعين سنة الماضية في الأغنية السعودية، سواء لطلال مداح أو محمد عبده أو عبادي الجوهر أو عبدالمجيد عبدالله أو رابح صقر وراشد الماجد، مع حفظ الألقاب لهم جميعا، نجد أن أعظم أعمالهم الكلاسيكية التي يتغنون بها في كل حفلة هي نتاج لتلك المرحلة، وما خلفته وراءها من عبثيات ومعارك، لتكسير «العود» وتقطيع أوتاره، كأنها تذكرنا بقول الإمام الغزالي: «من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج، وليس له علاج»
«الغزالي» حينما خص في عبارته «العود وأوتاره» لم يكن يتخيل أن «العود» ستقام على أثره غزوات إبادة وفتاوى من السوق الصفراء، لأنه وجد أن الأوتار فعلها مرادف للحبال الصوتية الموجودة في عنق كل كائن خلقه الله، وأن الآلات الموسيقية هي أصوات خلقها الله في الطبيعة، وطورها الإنسان لتصبح آلات توازي أصوات الطبيعة، وإلا لحُرمت أصوات الطيور والعصافير وخرير المياه، وكل ما يستحسنه الإنسان من أصوات الحيوانات.
بعيدا عن الحرمة والتحليل، وفي عودة لأعظم ما خلدته الأغنية السعودية، كانت «قصت ضفايرها» و» سيدي قم»، و» ليلة خميس»،و» جمرة غضى» ،و» وهم»،و«صمت الشفايف» و«ساري» لطلال مداح ومحمد عبده، مواكبة لفترة أحداث جهيمان واحتلال الحرم وما بعدها آنذاك. الموسيقى نهر رافد لا ينضب أبدا، ولطالما كان يصب في مجرى العقول بسلاسته وعذوبته.
يقول بيتهوفن: «الموسيقى هي الجمال المسموع، والحلقة التي تربط الروح بالحس».