قبل أكثر من أربعين عاما قرر وزير الداخلية في ذلك الوقت الأمير نايف بن عبدالعزيز أن يزور مدينة جازان والقرى والبلدات التابعة لها، ويتفقدها لعدة أيام، يرافقه عدد من المسؤولين ليرى ويسمع بنفسه احتياجات السكان في تلك المناطق، وقد اختار الذهاب والعودة عن طريق البحر.

في الأيام الأولى من يوليو 1978، أبحرت إحدى وسائط حرس الحدود بكامل طاقمها وجميع تجهيزاتها من مدينة جدة باتجاه جازان وعلى متنها الأمير نايف بن عبدالعزيز، ومعه الأمير نواف بن نايف بن عبدالعزيز، وعدد من المسؤولين، ومن ضمنهم نائب مدير عام حرس الحدود آنذاك اللواء محمد بن عبدالله العمرو، وكان لي شرف أن أكون أحد أفراد الطاقم برتبة ملازم، وكنت ضابط الملاحة، وكانت السرعة 20 عقدة في الساعة أي 37.04 كم في الساعة، وكانت سرعة الرياح وارتفاع الموج يوحيان بأن الرحلة سوف تكون صعبة، حيث تجاوزت سرعة الرياح خمسة وثلاثين عقدة بحرية، وتم إبلاغ الأمير بذلك إلا أنه وجه بالاستمرار في الإبحار، واستمررنا في الإبحار حتى اليوم التالي، كانت أنوار مدينة جازان تشاهد بالعين المجردة، وتم إبلاغ الأمير أنه بالإمكان الدخول إلى الميناء في أقل من ساعة، فأعطى تعليماته بأن تكون المطابقة على الرصيف في الساعة التاسعة صباحا، لأن المسؤولين ومشايخ القبائل وعدد من المواطنين سوف يكونون في استقباله داخل وخارج الميناء.

تمت المراصفة في الوقت المحدد، وعند نزول الأمير على الرصيف شاهدنا استقبالا حافلا ابتهاجا بوصوله إلى مدينة جازان، وتقدم المستقبلين أمير منطقة جازان - حينها - محمد بن تركي السديري، وجميع مديري الإدارات الحكومية ومشايخ القبائل.

واكتظت الشوارع خارج الميناء بالمواطنين بمختلف الأعمار احتفاء بالأمير، وكانت بداية الجولة التفقدية لقرى وبلدات منطقة جازان، التي استغرقت عدة أيام، ابتداء من «أبوعريش وأحد المسارحة وفيفا والحرث والداير والريث والطوال»، حتى «صبيا وبيش والدرب والقرى المحيطة بها"، ولم يبق إلا جزر فرسان.

ففي الثامنة من صباح يوم الأحد التاسع من يوليو عام 1978م أبحرنا من ميناء جيزان باتجاه أرخبيل فرسان. وفي التاسعة من اليوم نفسه، تم رمي المخطاف مقابل شاطئ جنابة الجميل الواقع في الجهة الجنوبية الغربية للجزيرة، حيث كان أهالي فرسان قد نصبوا مخيما لاستقبال الأمير لتنظيم الحفل الخطابي الخاص.

توجه الأمير ومرافقوه باتجاه المخيم بواسطة مجموعة من القوارب الصغيرة، وعند وصوله كان في استقباله أمير فرسان في ذلك الوقت عبدالعزيز القصيبي وعدد من وجهاء وأدباء وشعراء فرسان.

بدأ الحفل الخطابي وحدثت المفاجأة وهي أنه عندما وقف الشاعر الأديب إبراهيم مفتاح أمام الأمير وألقى قصيدة بعنوان «تحية ورجاء»، مطلعها:

بيض الليالي أتت أهلا ليالينا

واستبشري يا ربى فرسان هنينا.

كان الشاعر يلقي القصيدة وعيناه تراقبان تفاعل الأمير، وحدث ما لم يكن في الحسبان، حيث إنه عند سماع الأمير للأبيات:

وفي الطريق أما شاهدتمو صورا

من الأنين وأوجاع المصابينا

فبعضنا ألما تشكو مفاصله

وبعضنا أنفه مسدودة طينا

أرض النخيل تناستها قوافلنا

والباسقات تداعت من تناسينا

ولم يعد لحياض النخل نضرتها

منذ افترقنا وفارقنا سواقينا.

واستمر الشاعر مسترسلا في الإلقاء وبعد إلقائه الأبيات التالية:

والهاجرون ديارا كان يملؤها

صخب الحياة وأصوات المنادينا

أضحت تحن إلى الضوضاء ساحتها

وللأهازيج تحيي عهدها فينا

هذي المنازل في شوق لمن رحلوا

تدعو الإله بأشواق المحبينا

بأن يرد إلى السكنى أحبتها

ويجمع الشمل أزهارا ونسرينا

تذكر الشاعر الماضي فبكى بكاء مرا، وفي نهاية الاحتفال وقف الأمير مبشرا أهل فرسان بقوله، ستكون لكم وسائل نقل مأمونة ومضمونة، تنقلكم وتنقل عوائلكم وسياراتكم وبالمجان، وتلقى نائب مدير عام حرس الحدود أمر التنفيذ في اليوم نفسه، لأنه كان ضمن الوفد المرافق للأمير، وقد تحقق ذلك بوصول العبارات الثلاث «فرسان والعارض والبرق»، وبعد ساعات من نهاية الحفل وصل وزراء المالية والمعارف والتخطيط، إلى الجزيرة، فأمر الأمير نايف، أمير فرسان باستدعاء الشاعر إبراهيم مفتاح، وعندما حضر قال له الأمير نايف: سمع الوزراء القصيدة يا إبراهيم.

بعدها فتح الله لفرسان أبواب المستقبل وأبواب الحياة الجديدة، باكتمال جميع الخدمات، وبدأ التحول في تطوير الجزيرة، وبدأت المشاريع تتوالى، حيث تم بناء مستشفى وبناء ميناء حديث متعدد الأرصفة، وربطت قرى فرسان بطرق مسفلتة، وأنشئ جسر يربط فرسان والسقيد، وأنشئت محطات التحلية والكهرباء وغيرها من المشاريع، حيث كان لتلك الزيارة وتلك القصيدة من شاعر فرسان وجازان، الذي هو أحد إعلام المملكة في الشعر والأدب، الأثر بأن فتحت لفرسان أبواب اكتمال جميع الخدمات.

وقد أعجبني ما قاله أحد أبناء جازان الشاب يحيى رياني في إحدى تغريداته التي يقول فيها (عندما بكى الأمير نايف -رحمه الله- من قصيدة ألقاها شاعر جزيرة فرسان إبراهيم مفتاح، تحكي معاناة جزيرة كاملة من العزلة وعدم توفر الخدمات هل نعجب من قوة الشاعر؟ أم تفاعل الأمير مع القصيدة وبكائه؟ قصيدة غيرت مدينة كاملة!).

وكان وصف الشاعر إبراهيم للحظة التي ذرفت فيها دموع الأمير (بأن الأمير أودع أنامله أحشاء علبة المناديل، لينزع منديلا راح يمسح به دموعه مصغيا إلى وأنا أقرأ: والهاجرون.....).

كانت فرسان هي ختام زيارة الأمير إلى منطقة جازان، حيث أبحرنا من فرسان إلى جازان ثم إلى مدينة جدة في اليوم التالي، وتشاء الأقدار بعد أكثر من عشرين عاما، أن أعمل في فرسان قائداً لقطاع حرس الحدود في فرسان والذي أصبح من أكبر قطاعات حرس الحدود في الوقت الحاضر، بعد أن كان عند تأسيسه عام 1963 عبارة عن مركز يطلق عليه سلاح الحدود وخفر السواحل والموانئ والمرافئ.

وكنت في قمة السعادة وأنا ألتقي بالشاعر إبراهيم مفتاح باستمرار، ولعدة سنوات، وكان لي الشرف أن أكرمني بكتابة مقدمة لبعض الكتب التي وفقني الله بإعدادها عن فرسان، ثم وأثناء عملي عندما كلفت كمسؤول في قيادة حرس الحدود لفترة وجيزة، وجدت أهل جيزان من أفضل من عرفت خلقا وكرما وشجاعة، وأزيد أنهم أهل الأدب والشعر والعلم.

أهنئ بلدي المملكة العربية السعودية بهؤلاء، ونهنئ أنفسنا أبناء الوطن بالقيادة الحكيمة قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، حفظ الله الجميع.