بدأت حياتي الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية، صرخت فيها على كيفي، غيّرت العالم على كيفي، أقمت الدنيا ولم أقعدها، ضاعت المسرحية ومنذئذ تهيّبت الكتابة للمسرح، وما أزال. القصص ضاعت أيضًا، لم أشعر بالأسف، وكيف أشعر به وحياتي نفسها ضائعة؟ المهم أنني لم أفكر، وأنا حلاق، وسياسي مطارد، بأنني سأصبح كاتبًا، كان هذا فوق طموحي، رغم رحابة هذا الطموح، صدّقوني إنني، حتى الآن، كاتب دخيل على المهنة، وأفكر، بعد هذا العمر الطويل، بتصحيح الوضع والكف عن الكتابة، فمهنة الكاتب ليست سوارًا من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني، وبسخاء، يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاا، مع نجيب محفوظ بعد نوبل، ومع نزار قبّاني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين.

يطالبونني، في الوقت الحاضر، بمحاولاتي الأدبية الأولى، التي تنفع النقاد والدارسين، لكنها، بالنسبة إلي، ورقة خريف سقطت!

وقد كنت، كما هو معروف، يساريًّا وسأبقى، أما لماذا الأمر كذلك، فإن هذه (اللماذا) في غير محلها! تصوّروا ابن العالم السفلي، العاري، الحافي، الجائع، مثلي ومثل ناسي، ثم نكون في اليمين، الذي يتغذى أطفاله بالشيكولاته، ويركبون الكاديلاك! مفارقة أليس كذلك؟!

الرواية الأولى التي كتبتها كانت (المصابيح الزرق) لكنني لم أفكر بشرارتها، أهي حمراء أم زرقاء؟! وهل أنا نيرودا حتى تطلق قصائدي شرارات؟! إنني بابا نويل أوزع الرؤى على الناس، كي أفتح عيونهم على الواقع البائس، وأحسب أنني ناجح إلى حد ما، لأن كلماتي التي أكلت عيوني، على مدى نصف قرن، لم تكن مجانية، لقد حرصت دائمًا على شيئين: الايقاع والتشويق! وكتبت لغايتين: توفير المتعة والمعرفة للقرّاء، وهذا سر نجاحي الكبير، فلا أبوح به إلا للنشر! تأملوا!!.

يقال إن البحر كان دائمًا مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدًا؟ في الجواب أقول:

في البدء لم أقصد شيئا، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشمًا على جلدي، إذا نادوا: يا بحر!

أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّارًا؟ إنه يتعمّد بماء اللجة لا بماء نهر الأردن، على طريقة يوحنا! أسألكم: أليس عجيبًا، ونحن على شواطئ البحار، ألا نعرف البحر؟ ألا نكتب عنه؟ ألا نغامر والمغامرة احتجاج؟ أن يخلو أدبنا العربي، جديده وقديمه، من صور هذا العالم الذي هو العالم، وما عداه، اليابسة، جزء منه؟!

البحّار لا يصطاد من المقلاة! وكذلك لا يقعد على الشاطئ، بانتظار سمكة السردين التافهة. إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحّار لا عن فتى الميناء! الأدباء العرب، أكثرهم لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب. لا أدّعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحّارة، هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحّار على المراكب.

كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي، بعد ذلك، وفي الحرب العالمية الثانية، توقف العمل في البحر، اشتغلت في مهن كثيرة، من أجير مصلّح دراجات، إلى مربّي أطفال في بيت سيد غني، كان يسومني العذاب مرًّا إذا بكى طفل، أو مرضت طفلة، إلى عامل في صيدلية، إلى حلاّق، إلى صحفي، إلى كاتب مسلسلات إذاعية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، مع كل ما تقوم به الوظيفة من تدجين بطيء، إلى روائي، وهنا المحطة قبل الأخيرة، أي قبل غزل الظلمة في حضن الثرى.

هذه المسيرة الطويلة كانت مشيًا، وبأقدام حافية، في حقول من مسامير، دمي سال في مواقع خطواتي: أنظر الآن إلى الماضي، نظرة تأمل حيادية، فأرتعش.

كيف، كيف؟! أين، أين؟! هناك البحر وأنا على اليابسة؟! أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلما جميلًا؟!.

السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي الشام الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات.

2000*

* كاتب وروائي سوري (1924 - 2018)