الشرف بالمفهوم السائد اختزال لكيان المرأة ولمنظومتها الأخلاقية الواسعة، فمنذ العصور الموغلة في القدم؛ كان وصف وتعريف كيان المرأة، من ممتلكات الرجل الخاصة، يصوغه وفق الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وتم الاتفاق على أنه محصور في عرض المرأة، كمقياس للشرف الذي يراق من أجله الدم فقط.

وبنظرة تاريخية إلى دور المرأة على مر العصور، نرى أنه كان يرزح تحت الأهواء والحاجات الاجتماعية الخاصة بذلك العصر.

ففي عهد السومريين وأثناء الانفجار السكاني، بسبب الوفرة الاقتصادية الهائلة تم ابتكار عملية وأد الإناث، بحجة الشرف وحماية العرض - وحسب المؤرخين - يكمن السبب الحقيقي وراء ترسيخ مفهوم الشرف خلف تلك الممارسة المقيتة، أولاً رغبة السومريين آنذاك بتحجيم الانفجار السكاني المتزايد من جهة ولضبط استهلاك الموارد من جهة أخرى، فلم يجد الرجل السومري غير المرأة السومرية لتدفع ثمن بقاء الغذاء وفيرا كافيا لهم.

ثم أتى الفراعنة واستبدلوا الوأد بأسلوب آخر لا يقل عنه بشاعة، ومارسوا على الإناث جريمة تشويه حقيقية واعتداء على الطفولة، وانتهاك لبراءتها واخترعوا الختان بغرض صيانة العفة حتى الزواج، وذلك كله تحت تأييد ومباركة من الرجل.

وبالعودة إلى الجزيرة العربية قبل الإسلام، حيث البيئة الصحراوية المعروفة بشح عطائها، نجد أن الأعراب مارسوا نفس جريمة الوأد التاريخية بحجة الشرف، إلى أن سطع الإسلام بنوره على جزيرة العرب، وسن قوانين شرعية صارمة تضمن وتكفل للنساء الحق في الحياة كنصف مكمل للرجل، ولكن تم الالتفاف على هذه التشريعات وتحوير النصوص - الخاصة بالمرأة - وتأويلها لصالح الذكر، وتم وأد النساء بصورة أو بأخرى؛ وذلك باستغلال كافة القوانين وتطبيقها ضد المرأة تحت ذريعة الشرف اللعينة.

وبنظرة بسيطة على الواقع الاجتماعي العربي والإسلامي، نجد أن اختزال كلمة الشرف الجامعة لكل القيم الإنسانية النبيلة من الصدق والأمانة والمروءة (واختزال هذه القيم بالمرأة فقط) لم يعد يجدي نفعاً في تقليص حالات الزنا وسفاح القربى والمواخير التي تعج بها بعض الدول العربية الإسلامية. وبما أن الإسلام سن التشريعات كصمام أمان لحماية النساء، وأعطاهن مكانتهن الصحيحة بجعلهن شقائق للرجال، وذلك لضمان سلامة المجتمع وتركيبته النفسية القائمة على دعامتين هامتين هما أساس تكوينها (الذكر والأنثى)، نجد طبقة من المتشددين على مر التاريخ، كانوا منظرين ومشرعين لظلم المرأة، وتم إطلاق التعريفات المخجلة على النساء مثل وصفها بـ"العورة" أو إطلاق لفظ حريم وهي كلمة - كما تحدثت العديد من الدراسات - من الأصول التركية كانت تطلق على جواري السلطان العثماني، المتواجدات دائما في حرمه ويحرم عليهن الخروج، حيث كان يتم غلق الأبواب عليهن رغبة في التمييز وكوجاهة، ووصفاً لحالة الخصوصية اللاتي يعشنها في أجنحتهن الملكية، بانتظار الخليفة المبجل وفحولته الفجة.

ولأن الناس على دين ملوكهم، تم استيراد هذه الكلمة الموبوءة وإطلاقها على نساء شيوخ القبائل، وذلك قدوة بالحكام الأتراك ونظام حياتهم المخملي، ومن ثَم تم تعميم الكلمة واستبدال كلمة (نساء) كما وردت في القرآن الكريم بكلمة (حريم) فأصبحنا نجد في واقعنا الاجتماعي السعودي اليوم، مصطلحات كـ(سواقة حريم) و(عمل الحريم) ومصطلحات أخرى تُمنع فيها المرأة من ممارسة حقها الطبيعي في الحياة الذي كفله لها الدين الإسلامي، وذلك كله تحت حجة الشرف والعار.

ومن الأمور المستغربة أيضاً؛ أن نجد بعض من النساء استسغن ذلك الاختزال في زاوية ضيقة على يسار الشرف، وما بيان الألف سعودية في الأسابيع الماضية سوى دليل على تلك النظرة القاصرة لذواتهن.

وفي متاهات قضية الشرف واختزاله، آن الأوان للتمعن في سماحة الشرع والرحمة بالأنثى الإنسانة والزوجة والابنة والأخت والأم، والنظرة لها نظرة يكسوها الاحترام والمسؤولية، حتى يستطيع المجتمع أن يطلق على نفسه مجتمعاً قائماً على التجمع الإيجابي البناء. لأن المرأة تمثل نصفا فعالا فيه والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها وهو يبني صرح الأخلاق.

يقول ابن خلدون "بأن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الأخبار ولكن في باطنه نظر وتحقيق".