رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لتطوير القطاع الخاص، وحزمة الدعم التي قدمتها وما زالت تقدمها له، والتسهيلات التي يندر أن تجد مثيلها في أي من دول العالم، إلا أن الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها هي أن شريحة كبيرة من القطاع الخاص ما زالت دون المأمول، ولم ترتق إلى المستوى الذي يجعلها مخولة للقيام بالدور المنتظر منها، لا سيما في الفترة المقبلة التي أعلنت فيها الدولة بوضوح عن مساعيها المتواصلة لخصخصة المزيد من القطاعات الحيوية مثل الصحة والتقنية والاتصالات والتعليم والمياه وغيرها وذلك ضمن برامج رؤية المملكة 2030.

هذا العطاء كان من المنتظر مقابلته بتجديد القطاع الخاص لأدواته، وتغيير أولوياته، والتعامل بروح مختلفة تتواكب مع تغيرات المرحلة، والتخلي عن النظرة الضيقة التي لا ترى أكثر من الأرباح الآنية. والعمل الجاد على تطوير أساليب العمل وآلياته.

وفي مقابل هذا الواقع نجد أن القطاع العام بات أكثر تطورًا وقطع أشواطًا بعيدة في رحلته نحو التحديث وتجديد أساليب العمل، وحقق قفزات نوعية في مجال الخدمات والتعاملات الإلكترونية وسرعة الإنجاز، وهو ما يرفع الكثير من علامات التعجب في سر إصرار بعض القطاعات الخاصة على مراوحة مكانها، ليس ذلك فحسب بل والتراجع إلى الوراء، رغم أنها تملك من أدوات التحديث ما لا يملكها القطاع الحكومي.


لتأكيد تلك الرؤية أشير إلى واقع التعليم على سبيل المثال، فالمدارس الحكومية باتت في كثير من الأحيان هي الخيار المفضل لأولياء الأمور الذين سحب كثير منهم أبناءهم من المدارس الأهلية وألحقوهم بالمدارس الحكومية، وكشفت جائحة كورونا التي ما زال العالم يعيش أجواءها، كيف أن المدارس الأهلية لم تستطع مواكبة المرحلة وعانت في التأقلم مع واقع التعليم عن بُعد فيما تمكنت نظيراتها الحكوميات وفي زمن قياسي من التأقلم مع الواقع الجديد عبر منصة (مدرستي).

وفي المجال الصحي كذلك ما زالت المستشفيات الحكومية هي الخيار الأفضل للمواطنين بسبب توفر الكوادر الطبية المتميزة، ذات القدرات النوعية التي تستطيع تقديم المساعدة وتمتلك القدرة على التشخيص السليم والعلاج المطلوب، بينما ما زالت معظم المستشفيات الخاصة تعمل بأطقمها المتهالكة نفسها التي لم تواكب مستجدات هذا الحقل الذي يشهد كل يوم تطورًا جديدًا.

وعلي صعيد المشاركة في تحقيق الأهداف التي تسعى لها الدولة ومنحتها أولويتها المطلقة مثل توفير الوظائف للشباب وإحلالهم محل العمالة الوافدة فهذا أكبر المجالات التي أخفق القطاع الخاص فيها، فما زال رجال الأعمال يجترون أعذارهم التي فقدت صلاحيتها بعدم رغبة الشباب السعودي في العمل، وافتقاده للجدية، وهي ذرائع لم تعد تنطلي على ذي بصيرة.

ما أريد التركيز عليه في هذه المساحة هو أنه ما دامت الدولة تقدم الدعم لمؤسسات القطاع الخاص، وتحملت جزءًا كبيرًا من الخسائر التي تكبدتها إبان جائحة كورونا، وقدمت لها سلسلة كبيرة من الإعفاءات الضريبية والمكوية وتأجيل سداد المستحقات المترتبة عليها، فإن هذا العطاء ينبغي أن يقابل بمثله. أما أن يظل في خانة الأخذ وانتظار الدعم دون أن يمتلك القدرة أو الرغبة على التحول لمرحلة العطاء فهذا مما لا ينبغي السماح به.

أولى الخطوات التي أرى حتمية اتخاذها هو إجراء مراجعة شاملة للشركات والمؤسسات الكبرى منها خاصة والتي استفادت من حزم الدعم الحكومي خلال جائحة كورونا الأخيرة، ومعرفة ما قامت به لاستحقاق ذلك الدعم من توظيف للشباب السعودي، وتدريب للكوادر الوطنية، فالشركات المتجاوبة تستحق ما حصلت عليه، ومن تمسكت بالمواقف القديمة وأساليب العمل العتيقة ينبغي تصحيح مسارها وتوجيهها بما يعود بالنفع على المجتمع.

ولا بد من تغيير النظرة إلى برامج المسؤولية الاجتماعية، وعدم الاكتفاء بالمشاركات التقليدية التي ما زالت تدور في حلقة التبرعات والأعمال الخيرية، والانتقال لمرحلة أكثر تأثيرًا وعمقًا تشمل المشاركة في برامج التدريب والمنح الدراسية والفرص الوظيفية.

لا وقت لمزيد من الدلال، فالاقتصاد السعودي يشهد العديد من المتغيرات الإيجابية على هدي رؤية المملكة 2030، وإذا لم تمتلك مؤسسات القطاع الخاص الرؤية الصائبة والرغبة في المشاركة الحقيقية فإن كل تلك الجهود لن تحقق أهدافها أو تصل إلى غاياتها.