معركة «السبلة» معركةٌ حاسمةٌ وفاصلةٌ في التاريخ السعودي الحديث، وما بعدها مختلفٌ عما قبلها، حيث مكن الانتصار في هذه المعركة الملك المؤسس - طيب الله ثراه - من التخلص من أشد عقبة كأداء كانت تقف في طريقه، لتحديث الدولة والمجتمع، وهي عقبة التشدد والتطرف الديني، الذي تفاقم ليصل إلى حد الإرهاب، وتهديد البلد الناشئ وجيرانه، والذي لم يعلن توحيده تحت مسمى «المملكة العربية السعودية» وقتها.

المعركة وقعت في آخر مارس 1929 بين مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها وبين قوات «إخوان من طاع الله»، بقيادة فيصل الدويش، وسلطان بن بجاد في روضة السبلة، الواقعة بين الأرطاوية والزلفي. كان مبعث المعركة الرئيس أنه بعد دخول الحجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز، خالفه «إخوان من طاع الله»، واعترضوا عليه كثيرا، إلى درجة اتهامه باستخدام آلات السحر، ويقصدون بذلك استخدام السيارة والطائرة، وعارضوا الرسوم الجمركية على البضائع الواردة من الخارج، باعتبارها مكوسا لا تجوز في شرع الله، واستنكروا بشكل لافت عقده المعاهدات والاتفاقيات الدولية، باعتبارها مهادنةً وولاءً مع الكفار، بالإضافة إلى اتهامه بالتقاعس عن الجهاد، لعدم غزوه العراق، كونه بلدا شيعيا. كما استنكروا عليه عدم إجباره شيعة الأحساء والقطيف على الدخول في المذهب السني، وغير ذلك، فحاول الملك عبدالعزيز إقناعهم بالرجوع عن أفكارهم السوداء بالحسنى، درءا للفتنة، إلا أن ذلك لم يأتِ بنتيجة تذكر، مما اضطره لحسم الأمر عسكريا. وحينما انتهى من إخماد فتنة «إخوان السبلة»، شدد في خطابٍ عام ٍلعلماء الدين على أن: «القرآن والسنة يجب أن يكونا الأساس الذي تبنى عليه القرارات الخاصة بالدين، وليس التفسير الشخصي»، الأمر الذي صار نهجا سعوديا في التعامل مع الشأن الديني، وهو ما أكده سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، - أيده الله - في حديثه المتلفز في أبريل 2021 بشكل دقيق وحاسم وواضح، وبعبارة موجزة، وغير مسبوقة من مسؤول سعودي، حيث قال سموه: «دستورنا هو القرآن، وسوف يستمر للأبد، والنظام الأساسي في الحكم ينص على ذلك بشكل واضح للغاية. نحن كحكومة، أو مجلس الشورى كمشرع، أو الملك كمرجع للسلطات الثلاث، ملزمون بتطبيق القرآن».

والفتن المشابهة لفتنة «إخوان السبلة» لم تهدأ أو تخمد بشكل تام، بل كانت تعود بين الفينة وأختها بأسماء وأشكال وقوالب متطرفة مختلفة، إذ عادت مع دخول البث التلفزيوني حيز التنفيذ في مناطق المملكة المختلفة في 1965 إلى درجة قيام بعض المتشددين والمتزمتين بالهجرة، والسكن في خيام خارج المدن، هجرة للمنكرات، وخوفا من الخسف والمسخ، ثم عادت في العام نفسه مجددا فيما يعرف بحادثة «تكسير الصور في المدينة» من قِبل شباب الجماعة السلفية المحتسبة (جماعة جهيمان) قبيل تكوين الجماعة مباشرة، وعادت هذه الفكرة كذلك بعد انتهاء أزمة احتلال الكويت في 1991، إذ فوجئ الناس بمجموعات كبيرة من الشباب الصحوي في مختلف مناطق المملكة يقومون بالإنكار العملي (الإنكار باليد) على ما يرونه منكرا. وقبل هذا، كانت فتنة «جهيمان» في الحرم المكي الشريف، ثم فتن الصحوة المتعددة، إلى آخر سلسلة طويلة من هذه المواقف والأحداث، والتي ما زالت تتكرر إلى يوم الناس هذا.


إن إعادة تصدير الفكر الحضاري للواجهة، وتحفيز مسبباته ومثيراته، ونزعه من براثن التشدد في بلد استثنائي، في قيمته الروحية والاقتصادية والسياسية كالمملكة العربية السعودية، تعتبر أهم وأعقد قضية تواجه السعوديين اليوم، والانقلاب الحضاري الذي يشهده المجتمع، وتشهده الدولة في السعودية، لم يكن ليحدث لولا وجود الاستعداد الحقيقي لهذا التغيير الحضاري الناجز، الذي حجبته أسباب كثيرة، لم نعمل عليها بالشكل الصحيح سابقا، وفي مقدمتها الصحوة، التي انتهى فعلها وبقي فكرها، وهي إلى ذلك ليست السبب الوحيد، بل إنَّ ثمة فكرا نكدا ما زال يجوس خلال العقول وجيوب المجتمع، وأقرب صوره اليوم تصدر عدد من وعاظ زمان اللاصحوة، وهم متطرفون يتخذون السلفية شعارًا والوطنية وسيلة وصول. هؤلاء المتطرفون الجدد يكثرون - بمناسبة وبدون مناسبة - القول بأن سبب بقاء الدولة هو تمسكها بالإسلام، وحمايتها التوحيد والعقيدة السلفية، ويشيرون من طرف خفي، وبمفهوم الخطاب لا منطوقه، إلى أن الدولة دون هذا الأمر ستزول، وكأنه إنكار ناعم للتطورات والتحديثات المتعددة في حياة السعوديات والسعوديين، وهم بذلك يعيدون إلى الواجهة مجددا لغة الصحوة وخطابها المحرض. ومع حفظ مكانة الإسلام في النفوس، فإن هذا الرأي غير صائب، ويفوت على هؤلاء الثلة، وبشكل مثيرٍ للشفقة، حال الدول التي يسمونها «كافرة»، وهي في قمة ازدهارها ونمائها وتفوقها، ويتناسون أن زوال الدول والأمم إنما يكون بتفشي الظلم والفساد، وغياب الحق والعدل، ويتناسون كذلك أن القيم العليا مثل العدل والصدق والأمانة تكونت مع الوجود البشري الأول على وجه الأرض، ثم جاءت الأديان لاحقة على هذا الوجود، لتؤكد هذه القيم وتعززها، وقبل هذا كله تناسوا أن المملكة العربية السعودية قامت على أساسٍ متين من القيم العليا، وأولها العدل والحق.

إن انقياد الخطاب الديني ليواكب العصر، والحضارة ومنتجاتها، من الأفكار والقيم، هو الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه الإصلاح الديني، الذي يتمحور في جوهره وفلسفته الأعمق حول كيفية إيجاد السبل لغرس قيم الحضارة في مجتمع مسلم، يتعاطى بحرية مع الاقتصاد والسياسة والمعرفة بلا وجلٍ أو خوفٍ. هذا الإصلاح يعني تعديل الوضع الفقهي الراهن، والسبيل الأوحد لذلك هو: نقد الموروثات الدينية نفسها، لإعادة البناء الداخلي للتصورات والمفاهيم، وخلق التصورات الصحيحة من جديد؛ لتكون عاصمة وحامية من التطرف والتشدد والغلو، وهذا ما يدعونا إلى القول إننا بحاجة إلى «سبلة» أخرى، لكن بأسلحة فكرية لا عسكرية.