نحن اليوم، ولله الحمد، أكبر بلد في العالم مستورد للرافعات الصفراء التي تنتشر فوق آلاف المباني والمنشآت في كل شبر من الخريطة الوطنية. نحن أكبر ورشة بناء كونية بالبرهان ونحن على رأس كل شعوب الأرض من حيث نسبة مخصصات المشاريع إلى مجمل الناتج القومي. ولاحظوا أن كل هذا يحدث في ظل خيمة الشتاء العربي الذي هوى بظروفه – المؤقتة – باقتصادات هذه البلدان الضعيفة في الأصل، ويحدث هذا أيضاً في نصف العقد المضطرب من الأزمة المالية العالمية التي جففت مفاصل الاقتصاد الكوني ونحن على النقيض نشتكي من حجم السيولة المذهلة التي تنذر بإرهاصات تضخمية. وعموماً ليس من اختصاصي في المطلق تحليل معادلات الاقتصاد. سعيد بأنني دغدغت عواطفكم بمفردات الأكبر والأقوى والأجمل، ومن الآن سأدخل مباشرة إلى الرائحة النفاثة لكل رافعة عملاقة صفراء فوق مشروع حكومي. أشعر أولاً، أن تحت كل رافعة قصة من المكر والدهاء، وحكاية من التحايل على القوانين المالية والإدارية في ثقافة إدارة هذه المشاريع. أشعر أن كل رافعة صفراء لا تعطينا سوى نصف ما استقدمت من أجله وأن النصف الآخر يذهب إلى بطون لا تشبع. أشعر ثانياً أن كل رافعة صفراء فوق آلاف المشاريع تعمل بربع ما صنعت من أجله. أشعر أن هذه المشاريع مثل البقرة الحلوب التي تشحن بالإبر الهرمونية كي تبقى مدرارة لعامين إضافيين بعد عامين أصليين من الرضاعة. أشعر بكل اختصار أن الفساد أصبح ثقافة شعبوية وأشعر أنه وصل إلى درجة مخيفة حتى أصبح لدى كثير من الموظفين في سجلات الدولة (فاسد صغير) وبات من الخطأ الشائع أن تذهب أصابع الاتهام إلى كبار الموظفين والتنفيذيين بل إن الفساد وصل بأطنابه إلى المعادلة الجميلة التي تستلزم تشجيع ثقافة الفساد لأنه بدأ يوزع عدالته على الجميع. أشعر أن سواد المسجلين في كشوف المال الوطني العام يرضعون من ثقافة الفساد وبالتالي لم يعد من الأهمية بمكان أن نشن الحرب الشعواء على هذه الظاهرة طالما أنها تحولت إلى العكس: طالما أن البقرة الحلوب قادرة على إرضاع الجميع بعدالة من خارج المألوف واللامتوقع.

أما لماذا أكتب بين الحين والآخر عن ثقافة الفساد فلأنني مؤمن أنني جزء من هذه الثقافة. خذ مثلاً أنني واحد من بين عشرات الكتاب الذين يحاربون هذه الظاهرة ولكنك لن تستطيع أن تعثر على كاتب واحد يفضح حالة واحدة محددة بالاسم والبرهان وبالدليل القاطع.

والجواب الذي لا تحايل عليه لأننا كلنا جزء من شبكة العلاقات العامة. نحن مع مسيرة الزمن والكتابة لا بد وأن نمتلك ولو دليلاً واحداً على قصة فساد مجلجلة ولكن يبقى السؤال: من يعلق الجرس؟ خذ مثلاً أن تقرأ كل صحف الصباح ثم ترصها فوق بعضها البعض لشهر كامل ثم تؤرشفها لعام طويل دون أن تكتشف أنك قرأت طوال 365 يوماً قصة واحدة في صحيفة تنشر واقعة محددة للفساد بالأسماء والبراهين رغم الأدلة القاطعة. خذ مثلاً أنك تقرأ العبارة الشهيرة (تحتفظ الصحيفة بالاسم) ثم تقرأ بعدها تحقيقاً مطاطياً مبهماً لا يشير إلى شيء ولا ينبئ عن شيء. الصحافة تخشى ردة فعل القانون إذا ما أخذتها الأسماء المتورطة إلى طاولة العدالة وذاك لسبب بسيط: لأن هذه الأسماء تسرق ثم تحتمي بذات القانون كي تحاكم الناشر بموجبه. خذ مثلاً أنك لا تستطيع نشر اسم واحد من الشبكة المعروفة التي أدت لكارثة سيول جدة من تحالف الإداريين المفسدين مع هوامير العقار في تبادل مبرهن ومكشوف للهدايا والعطايا. خذ مثلاً أنني لا أستطيع أن أقول – الرشوة – ولهذا كتبت الهدايا والعطايا كمحاولة للتخفيف اللغوي. والسبب أننا أسرى عند هؤلاء. الكاتب يخاف من هيبة القانون الذي كسره الفاسد، والصحيفة إضافة للخوف تخشى من ردة الفعل بتجفيف منابع الإعلان. وبكل الاختصار: نحن نتحدث عن ثقافة الفساد ولكننا لا نتحدث أبداً أبداً عن الفاسد. نتحدث عن الجذر اللغوي في شكله العمومي ولكننا لا ندخل إلى مشتقات هذا الجذر ولا عن تفرعاته الإعرابية المختلفة. نتحدث عن رافعات المباني الصفراء ولكننا لا نتحدث عن لونها الأصفر.

والجواب لأننا وبلا استثناء تحولنا إلى رافعات صفراء ولكل حجمه ووزنه: سؤالي الأخير: ألا تلاحظون أن كل ألوان أجهزة البناء والعمران تصطبغ باللون المشؤوم الأصفر؟