هل كل ما يمارسه الإنسان من عبادة وإنابة هي دين من عند الله؟ أم هو فهمه للدين وتطبيقه له؟ هل يمكن أن نفرق بين مجالي "الدين" الذي هو منزل من عند الله، وبين "التدين" الذي هو فهم الناس للدين وترجمته إلى سلوك وعمل؟
حين قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) صار المقصد من ذلك "الدين" الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جعله الله ملزماً للناس، وجاء من عند المشرع الحكيم بنصوص محكمة، وقواعد ثابتة، وقطعيات ظاهرة لا يختلف عليها أحد، بل حتى غير المسلمين يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بها، فقضايا التوحيد الكبرى، والأخلاق السامية، ومسائل العدل، والمحرمات على المؤمنين القطعية، والواجبات المتحتمات كلها جاءت بنصوص غير قابلة للرد أو للتأويل.
لكن "التدين" هو فعل بشري يقع من المؤمنين، يصيب فيه البعض كثيراً من مراد الشريعة، ويخطئ فيه البعض، ويغلو فيه البعض حتى يخرجوا عن نطاق الشريعة، يسهله البعض ويشدده البعض الآخر، كل يرى التدين من زاويته هو، فكيف يمكن أن نميز بين ما هو موافق لمراد الشريعة أو مخالف لها؟
إن الميزان الصحيح في هذا هو العلم الذي يميز بين منهج الاعتدال ومنهج الانحراف، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة، ومنهجه الذي رسمه لأمته عليه الصلاة والسلام.
في التاريخ الإسلامي الأول، ظهرت فرقة الخوارج، كان الرجل منهم يخرج من المسجد وكأن جبهته ركبة بعير من كثرة العبادة والتحنث، أخبر عن عبادتهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم وصيامه عند صيامهم..)، اشتهروا بشدة العبادة حتى يكونوا في الليل رهباناً تسمع لصوتهم دوياً كدوي النحل، وفي النهار صواماً خاشعين، أدى بهم هذا التشدد والغلو في العبادة إلى أن "يكفروا" كل من يقع في معصية لأنهم لا يتصورون أن يجتمع في الإنسان معصية وطاعة أبداً، فكفروا من يرتكب أي ذنب، وأدى بهم انحرافهم هذا إلى نتائج كارثية، ولم تشفع لهم صلاتهم وصيامهم وعبادتهم حين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم "كلاب أهل النار"، لأنهم "تدينوا" ولكن على غير هدى، وشقوا على أنفسهم في الطاعة ولكن على غير سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مثلهم يتنزل قول الله: (عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية).
وفي التاريخ الإسلامي صنوف كثيرة من "المتدينة" الذين يخلصون القصد – في الغالب – ولكنهم يسيرون في طريق التدين على غير هدى، فيأتي التدين على نقيض مقصودهم حين يكون سبباً للضلالة، وتتجلى معالم التدين في صنوف كثيرة، وعند كل فرقة أنماط من التدين، حتى إن بعض المتدينة في العالم الإسلامي غلت بالأنبياء والصالحين حتى وقعت في تقديس البشر، وقدمت الدجل والخرافة وتعظيم القبور والأحجار وغيرها، ويعدون كل ذلك تديناً وتقرباً وزلفى إلى الله.
المجتمع في الغالب ينظر إلى "المتدين" بنظرة احترام وتقدير، لأنه يرى فيه الإنسان المخبت والقريب إلى الله تعالى، وبسبب حب الناس لله المتجذر في قلوبهم فهم كذلك يقدرون من يبدي تديناً، ويرونه مثالاً للنزاهة والصدق، ولذلك فهم يرصدون كل حركاته وسكناته، ويرون في أخطائه الصغيرة موبقات، وفي موبقاته كفراً وضلالاً، دون أن يدركوا أن "المتدين" إنما يعبر عن رؤيته للتدين، وأنه بشر يصيب ويخطئ، بل ولربما يتخذ التدين ستاراً وغطاء لمكاسب شخصية، وخاصة حين يكون النظر إلى "التدين" في المجتمع مرتكزا على السلوك الظاهر، ولا يهتم الناس كثيراً بالسلوك الباطن أو طريقة التعامل مع الناس بالتي هي أحسن.
هذه النظرة التعظيمية لـ"التدين" في المجتمع جعلت للمتدين قيمة إضافية، فهو يصدر في المجالس، ويخلع عليه لقب "الشيخ" في كل مجلس دون أن يحمل الحد الأدنى من التأهيل العلمي والفقهي، ثم يعطي لنفسه الفرصة التامة لأن يفتي، ويوجه، ويعظ ويتدخل في العلاقات الزوجية ومشكلات الأسر، فيكون حضوره طاغياً في المناسبات الاجتماعية، ثم يدفعه تدينه وشدته إلى أن يكون رقيباً على العباد، عاداً عليهم حركاتهم وسكناتهم في كل وقت وحين، فإن تصادف التدين مع الجهل صار وبالاً على نفسه وعلى الإسلام والمسلمين.
إن من الممارسات التي يمارسها بعض "المتدينة" في المجتمع أنهم يحملون الناس على التكاليف التي يطيقون، فبعضهم عنده جلد على العبادة، وتتبع السنن، والحرص على العزلة أكثر من الخلطة، ويحرم نفسه من بعض التوسع في المباحات، فإن رأى في نفسه هذا الجلد حمل الناس عليه في مواعظه، ولربما أزرى عليهم إن لم يفعلوا بمثل فعله، فيضيق عليهم واسعاً، ويكلفهم من الأعمال مالا يطيقون.
إن الأمر الضروري أن يفرق الناس بين "الدين" وبين "التدين"، وبين "فهم المتدين" للدين، فالتدين بابه واسع، ومجالاته كبيرة، يفتح على الإنسان في باب ما لا يفتح على غيره، وهو أكبر وأعظم من أن يحصر في أنماط وسلوكيات ظاهرة، فخير التدين تدين القلب والإخبات والإسرار بين العبد وربه، حتى قال عبدالرحمن السلمي: (والله ما فاق أبو بكر الصحابة بكثير صيام ولا صلاة ولكنه أمر وقر في قلبه).
وقد كتب أحد العباد إلى الإمام مالك - رحمه الله - ينكر عليه اشتغاله بالعلم ويدعوه إلى التفرغ للعبادة، فكتب له مالك - رحمه الله -: "إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الجهاد، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصدقة ونشر العلم من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون "كلانا على خير وبر".