غريبة أحلامي الليلية، أحياناً تأتي بلا سابق علم أو تخيل، ومن ذلك ما حدث معي قبل أسبوع حيث رأيت فيما يرى النائم الزملاء الأساتذة حمد الجاسر وحامد مطاوع وعبدالله بن خميس وحسن قزاز يرحمهم الله مجتمعين في مبنى فندق اليمامة في شارع المطار القديم يتلقون التهاني بفوزهم على التوالي برئاسة وعضوية هيئة الصحفيين، وكانت تتناثر على الطاولات نسخ من صحيفة اليمامة وصحيفة الندوة ومجلة الجزيرة وصحيفة البلاد، كما كانت ساحة الفندق مليئة بالزملاء الشباب الذين للتو بدؤوا يمارسون هواية العمل الصحفي، لكن المفاجأة كانت عندما أقدم حمد الجاسر وابن خميس ومطاوع وقزاز على الانسحاب من قوائم الترشح والتنازل طواعية للزملاء الصحفيين الشباب الذين كانت تطلعاتهم وآمالهم متوقدة تحفزهم لنقل المهنة الصحفية من اهتماماتها الأدبية والثقافية إلى الاهتمام بالخبر انسجاماً مع التحول السريع الذي يمر به المجتمع السعودي، وقد اعترض الصحفيون الشباب وكان فيهم تركي السديري وخالد المالك وعثمان العمير ومحمد أبا حسين وهاشم عبده وعلي مدهش وغيرهم على انسحاب الكهول المؤسسين مدركين لهم فضل الريادة والسبق، لكن الرواد كما يظهر لي في الحلم قد توصلوا إلى الإجماع على الانسحاب وإعطاء الفرصة للصاعدين سلم الصحافة من الشباب، وكان يحفزهم للتنازل أنهم قد تولوا التأسيس وكان وجودهم ضرورة لازمة في البداية بما مكنهم من إيجاد البنية التحتية وتأسيس الهيئة وإقامة مبناها وإصدار لوائحها وأنظمتها الأساسية لكن العمر لا يسمح لهم بمزيد من الجهد الذي يتطلبه عمل الهيئة، وأن هذا الجهد يفترض أن يناط بالصحفيين الجدد الذين يملكون الطاقة والأفكار الطليعية الجديدة، وما لم تتم المناقلة فإن الهيئة ستسير ببطء سلحفائي ولن تتمكن من تحقيق المرجو منها.
واحتدم الجدل بين إصرار الكبار وتمنع الصغار، وقد استيقظت بعدها من نومي ونفثت عن يساري متعوذاً من همزات الشياطين، بعدها بأيام عدت مساء إلى بيتي بعد وليمة عامرة بما لذ وطاب من المشاهي مأكولة ومشروبة، وقد أسندت رأسي على الفراش ثم غطست في نومة نوماء رأيت فيها كما يرى اليقظان الصحفيين الشباب وقد انصاعوا لرغبة الشيوخ المنسحبين بأن يسند أمر الهيئة وعضويتها لهذا الفريق المتشوف والمتطلع لتفعيل الهيئة وتحديث لوائحها وإجراءاتها.
استيقظت فزعاً من هذا الحلم المتكرر، والتبس الأمر عندي هل هو حلم أم رؤيا هل هي أضغاث أحلام، أم أن تكرارها يوجب تعبيرها وتفسيرها، وقد انحزت للخيار الثاني واتصلت على مفسر الأحلام الشيخ هوجاس الظنان في برنامجه الشهير (يا أخي حلمك علينا) فدار بيني وبينه الحوار التالي:
أنا: السلام عليكم يا شيخ حلمت أن هناك انتخابات لهيئة الصحفيين وفاز فيها نخبة من الأدباء والصحفيين الرواد وأنهم رغم فوزهم تنازلوا للصحفيين الشباب؟
الشيخ هوجاس: عليكم السلام، وش أنت ماكل قبل النوم؟
أنا: كنت معزوم وتعشيت بس شكلي ثقلت شوي!
الشيخ هوجاس: وش اسم الصحفيين الرواد، تعرفهم؟
أنا: طبعاً أعرفهم الله يرحمهم جميعاً الشيخ حمد الجاسر والشيخ عبدالله بن خميس والأستاذ حامد مطاوع والأستاذ حسن قزاز.
الشيخ هوجاس: كلهم ميتين؟!
أنا: نعم
الشيخ هوجاس: الله يرحمهم، طيب تعرف أسماء الصحفيين الشباب؟
أنا: إيه طبعاً، هذولي كثار.. ما شاء الله بس أبرزهم الأستاذ تركي السديري، والأستاذ خالد المالك والأستاذ عثمان العمير والأستاذ هاشم عبده والأستاذ محمد أبا حسين والأستاذ علي مدهش.
الشيخ هوجاس: خلاص، خلاص كفاية هالأسماء، شف الله يهديك من دلالات الأسماء يمكن أن تقول إن نتائج انتخابات الهيئة ستعلن ليلة (الخميس) وسيكون الوسط الصحفي (مطاوع) للنتائج ولو تـ(جاسر) أحد بالاعتراض فسيكون طريقه المهني محفوفاً بـ(القزاز) وسيكون لسان حال الكهول الذين فازوا ملخص في الجملة التالية أن (تركي) أو مطالبتي بأن أترك الهيئة أمر (مدهش) ذلك أن (مالك) الشيء لن يفرط فيه.
أنا: لكن سنة الحياة هي التغير وتسليم الراية من جيل إلى جيل..
الشيخ: استغفر بس، وتعوذ من إبليس.
أنا: بعد تبغاني أستغفر من الحلم، هذا حلم يا شيخ هو "اللي جاني مهوب أنا اللي رايح له".
الشيخ: ولو.. ولو.. احلم بشيء منطقي.. ومعقول، بس مثل هذه الأحلام والأفكار ما تصلح.
أنا: لكن يا شيخ..
الشيخ: أقول بس.. "مش خشتك ولا عاد تثقل في العشاء، بطل دسم وكل نواشف" إذا كان ولا بد.
بقيت الإشارة إلى أن الكاتب رغم كل المداعبة الواردة أعلاه يحمل في نفسه الكثير من الود والإعجاب والتقدير للأساتذة الرواد، الأحياء منهم والأموات، كما يدرك حجم الجهد اللافت والمميز الذي بذل في الدورة الأولى، من إقامة المبنى وإصدار اللوائح الخاصة بالهيئة ومنسوبيها وأنظمتها، ويرفع القبعة تقديراً واحتراماً لرئيس ونائب وأعضاء الهيئة السابقين واللاحقين.
كما يُثمن للأستاذ خالد المالك انسحابه من الترشح للدورة الثالثة مفسحاً المجال لغيره، ورغم كل شيء فيكفي الهيئة إرساء فضيلة الانتخاب الذي جعل حق الاختيار والحسم منوطاً بصندوق الاقتراع.