يتطلع المواطنون بشغف وبصفة مستمرة؛ إلى ارتفاع مشاركة أبنائهم في سوق العمل الوطني بمختلف وظائفه المطروحة، ويترقب المتابعون والمحللون نتائج الإحصاءات التقديرية للهيئة العامة للإحصاء في بياناتها المنشورة كل ثلاثة أشهر، حول واقع تطورات سوق العمل وطبيعة مستجداته، فيما يتعلق بتصحيح عدم التوازن القائم في هيكله البشري، ونسبة ما يشغله المواطنون من وظائف، بما يسهم في تصحيح المعادلة المختلة في سوق العمل لصالح غير المواطن.

تشير النشرة الأخيرة للإحصاءات العامة في ربعها الثالث من العام 2021 إلى أن هناك استقرارًا في معدل البطالة مقارنة بالربع الثاني من نفس العام، لتسجل 6.6% في نسبتها الكلية و11.3% في نسبتها بين السعوديين، في حين تشير البيانات إلى ارتفاع نسبي في نسبة اشتغال المواطنين من 25% إلى 26% من جملة المشتغلين في السوق، مقابل انخفاض نسبي في مساهمة غير المواطنين في سوق العمل، فبعد أن كانوا يمثلون 74.57% أصبحوا يمثلون 73.69% من جملة المشتغلين في سوق العمل، وذلك بمقارنة البيانات في الربع الثالث من العام 2020 والعام 2021.

وعلى الرغم من التحسن الطفيف الملحوظ في معدل المشتغلين المواطنين، إلا أن الأمل معقود والترقب مستمر، لقفزة كبيرة في ارتفاع نسبة المشتغلين من المواطنين، لتناسب حجم مخرجاتنا المتعطلة باستقطابهم في فرص العمل المتاحة بمختلف التخصصات في الوظائف المتاحة والمشغولة بغير المواطن، وفي الفرص الجديدة المصاحبة للمشاريع الكبيرة والصغيرة التي يزخر بها الوطن في مختلف المناطق والمجالات.


يشكل القطاع الخاص الجهة الرئيسة المستهدفة في التوظيف، وذلك بعد تقليص الوظائف الحكومية، والتوجه نحو تخصيص القطاعات الحكومية، علاوة على ما يمثله القطاع الخاص من أهمية كقطاع منتج اقتصاديًا، ولكونه قادرًا على أن يسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية، وخلاله يمكن زيادة الدخل الوطني غير النفطي؛ ولذا فهو القطاع الأهم في استقطاب المواطنين ليشغلوا وظائفه المتنوعة المجالات والمستويات، وهو القطاع المعني والمستهدف باحتواء المواطنين العاطلين في وظائفه المختلفة، بيد أن الإحصاءات الأخيرة ما زالت تشير، إلى مشاركة ضئيلة للمواطن في القطاع الخاص، والتي لا تتعدى 23.5% من جملة المشتغلين فيه، في حين يشغل غير المواطنين نسبة 76.4% من المشتغلين في سوق العمل الخاص.

تستهدف في رؤيتنا الإستراتيجية تخفيض نسبة البطالة بين المواطنين إلى 7% وذلك في العام 2030، وتحقيق ذلك الهدف يحتاج لجهود مضاعفة من الإجراءات الجادة المناسبة والمتكاملة بين القطاعات المختلفة، كما يتطلب سياسات فاعلة ومدروسة تُسهم في تصحيح واقع سوق العمل المختل في موارده البشرية لصالح غير المواطن؛ فعلى الرغم من انطلاق عشرات المشاريع الحكومية والخاصة والمشتركة، التي يمكنها استيعاب مخرجاتنا الوطنية واحتوائها بالتدريب والعمل، إلا أن مقارنة معدل انخفاض نسبة البطالة ومعدل الارتفاع في نسبة المشتغلين من المواطنين، لا يتناسب مع حجم الفرص الجديدة المتاحة، ولا يفسر سبب ذلك الاستمرار في ارتفاع نسبة غير المواطنين في القطاع الخاص لسنوات عدة، رغم تزايد مخرجاتنا المؤهلة بمستوياتها المختلفة وبتخصصاتها المتنوعة، والتي تتدفق بصفة دورية بحثًا عن فرصة عمل حتى أصبحت ظاهرة واضحة.

تبذل وزارة الموارد البشرية جهودًا معلنة في محاولة تصحيح واقع سوق العمل ببرامج ومبادرات مختلفة، ولكن يلاحظ من الإحصاءات وعلى مدى سنوات، أن هناك ضعفًا في تنفيذ كثير من سياسات التوطين المعلنة بما يتطلب المتابعة والمحاسبة، وبما يقتضي إطلاق سياسات داعمة ومحفزة لتوظيف المواطن وتدريبه في القطاع الخاص، كتخفيض المتطلبات المالية المستقطعة، وتسهيل الإجراءات المطلوبة في إنشاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة «خاصة»، بل والإعفاء من كثير من الغرامات التي يضعها نظام العمل، للمشروعات التي تُشغِّل أكبر شريحة من المواطنين، إضافة إلى أهمية حماية المواطن من تعسف بعض أصحاب الأعمال بما يهدد أمنه الوظيفي، وتحديد حد أدنى لأجور المواطن.

تحتاج سياسات الاستقدام إلى متابعة وتدقيق في أعداد ونوعية المستقدمين ومؤهلاتهم، حتى لا يزيد وجودهم من اختلالات السوق القائم، كما أن سياسات تجديد الإقامات وتمديدها وسهولة الانتقال ما بين جهة وأخرى، يحتاج كذلك إلى مراجعة من الجهات المعنية، ليتم ضبطها وتقنينها بسنوات محددة بما يخدم مصلحة الوطن والمواطنين، إذ إن مزاحمة غير المواطن للمواطن في السوق مع عدم تقنين وجوده النظامي، وضعف مراقبة مؤهلاته وقدراته الفعلية، يجعله الكفة الراجحة دومًا في التوظيف، خاصة مع استئثار غير المواطنين على نحو (76.4%) من فرص العمل المشغولة في القطاع الخاص.

جميع القطاعات معنية بتحمل مسؤولية توظيف المواطنين وتدريبهم في منشآتها، المساهمة في توظيف المواطن واستشعار المسؤولية الاجتماعية والوطنية؛ سيعالج الكثير من تحدياتنا التنموية المترتبة على البطالة بدايةً، وما يتبعها من سلبيات تنعكس على المجتمع والوطن بأسره، رفع نسبة مشاركة المواطن في بناء وطنه سيعزز من قيم الانتماء والولاء والمواطنة، ويزيد من حجم استثماراتنا المستدامة في مقدراتنا المتاحة.