باختصار- ربما يبدو مخلا- هذا ما يسعى كتاب «عصر الفراغ» لمقاربته، حتى وإن كانت منطلقاته المجتمع الغربي إلا أن الإنسان في كينونته يبقى هو الإنسان، ويتأكد ذلك في رؤية الكاتب "جيل ليبوفتسكي" لبروز نمط جديد من التنشئة الاجتماعية والفردية، الذي أحدث- كما يقول- قطيعة النمط السائد للمستجدات الكونية منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبمستويات متباينة، متناولا الإشكال العام «المشابه تقريبا لما تشهده مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن، والمتمثل في الرجة التي هزت المجتمع والأعراف والفرد المعاصر في زمن الاستهلاك الجماهيري، بحيث تبدو هذه المجتمعات وكأنها تعيش ثورة فردانية أخرى سبق أن عاشتها مجتمعات الغرب».
تاريخ الفردانية
في الكتاب فكرة مركزية بمثابة خيط ناظم لتحليلات تذهب إلى أنه مع تطور المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، تجد هذه الأخيرة قابليتها للفهم في منطق جدید يطلق عليه الكتاب عبارة «عملية الشخصنة»، وهي عملية لا تتوقف عند إعادة صياغة مجموع الأفكار المتعلقة بالعالم وبمصير الإنسان بعد الموت ومصير الكون، عبر تأمل مختلف مجالات الحياة بشكل عميق،من دون إغفال محدودية النظريات التي تجتهد في توحيد كل ما هو اجتماعي، أو التغاضي عن التحول التاريخي الذي لا يزال مستمرا.هذا مع اعتبار أن عالم الأشياء والصور والمعلومات فضلا عن القيم المتعية والمتساهلة، قد دفعت إلى ظهور شكل جديد من ضبط السلوكيات، وقادت في الوقت ذاته إلى تنوع غير مسبوق على مستوى أنماط العيش، وإلى تعويم منهجي للفضاء الخاص وللمعتقدات والأدوار، وبعبارة أخرى إلى مرحلة جديدة من تاريخ الفردانية الغربية.
حركة تزامنية
تحكم شكل التنظيم والضبط الاجتماعي الذي ينتشل المجتمعات من النظام الانضباطي التقليدي الذي ساد إلى غاية الخمسينيات، ويطرح الكتاب فكرة إن «عملية الشخصنة يكمن معناها في القطيعة الحاصلة مع المرحلة التي دشنت بروز المجتمعات الحديثة التي تتسم بكونها مجتمعات ديمقراطية انضباطية وكونية صارمة وأيديولوجية/ إكراهية".بينما يرى مترجم الكتاب حافظ إدوخرازفي توطئته «أن تشبيه هذه العملية باستراتيجية لتحول الرأسمال مغرق في الاختزالية، حتى وإن بدت بوجه إنساني. عندما تقوم العملية نفسها بإلحاق مجمل النسق بها في حركة تزامنية، فمن الوهم أن نطمع في اختزالها في وظيفة محلية أداتية» ،ويضيف: وإن كان صحيحا أن ذلك قد يسهم بفعالية في إعادة إنتاج فائض القيمة أو زيادته.
الخصوصيات الفردية
يذهب الكتاب إلى أن المؤسسات تكيف نفسها مع الدوافع والرغبات، وتحفز على المشاركة، وتخصص وقتا حرا ووقتا للترفيه، وتظهر توجها مماثلا نحو أنسنة طرق التنشئة الاجتماعية وتنويعها.ويحل نظام المعالجة بالمثل والتحكم الآلي بعد الترويض الميكانيكي، وتحل البرمجة الاختيارية وبحسب الطلب بعد الإدارة الزجرية.
لا يمكن عزل هذه الإجراءات الجديدة عن الغايات والشرعيات الاجتماعية الجديدة: القيم المتعية، احترام الاختلاف، تقديس التحرر الشخصي والاسترخاء والدعابة والأمانة، والنفسانية، والتعبير الحر.
كما أن الاستقلالية تأخذ معنى جديدا ملقية وراء ظهرها بالمثل الأعلى الذي اتخذه العصر الديمقراطي السلطوي.
لقد كان المنطق الحاكم في الحياة السياسية والإنتاجية والأخلاقية والمدرسية، وإلى غاية تاريخ غير بعيد، يغمر الفرد بالقواعد الموحدة، ويستخلص أشكال الأفضليات والتعبيرات المفردة بقدر المستطاع، ويغرق الخصوصيات الفردية في قانون متجانس وكوني، سواء تعلق الأمر بـ«الإرادة العامة»، أو الاتفاقيات الاجتماعية، أو الضرورة الأخلاقية، أو القوانين الثابتة والمنمطة.
التكنولوجيا النفسية
لم تعد الكونية هي التي تحفز الأفعال الاجتماعية والفردية، وإنما البحث عن الهوية الخاصة.يناقش الكتاب فكرة أن «الحق في الحرية الذي كان نظريا غير محدود لكنه كان على المستوى الاجتماعي محصورا في الحياة الاقتصادية والسياسية والعلمية، أصبح يهم الأعراف والحياة اليومية». طارحا: أن العيش بحرية من دون قيود، واختيار الإنسان لنمط حياته من الألف إلى الياء يمثل أكثر الأحداث الاجتماعية والثقافية أهمية في زمننا، ونقطة تطلع لمعاصرينا، وحقا مشروعا في أعينهم.
لافتا إلى أنه يتعين علينا أن نميز بين وجهين في هذه العملية:
الوجه الأول «خاص» أو عملي، ويحدد مجموع الآليات السائلة وغير النمطية، وأشكال الاستمالة المبرمجة التي تستعملها الإدارة.
أما الوجه الثاني، فيمكننا أن نقول عنه إنه «متوحش» أو «مواز»، ويعتمد على إرادة الاستقلالية وتخصيص المجموعات والأفراد: النسوية الجديدة، تحرير الأعراف والجنس، التكنولوجيا النفسية، الرغبة في التعبير وتنمية الذات، الحركات «البديلة»، أينما يممنا وجوهنا.
جروح حربين
ليبوفتسكي واحد من الباحثين الذين استشعروا خطورة وقتامة الوضع الذي آلت إليه حال المجتمعات الغربية المعاصرة بدخولها في حقبة مباينة تماما لما راهن عليه صناع التنوير الذين بشروا بمرحلة حداثية كان من نتائجها أن اضمحلت الفروق بين مراتب الناس تدريجيا، وتداعت الحواجز التي كانت تفصل بينهم، وغمرهم ضوء العقل، وتفتقت مواهبهم، واتجهت قدراتهم إلى المساواة، وأخذ سلطان الديمقراطية يغشى تدريجيا النظم والأعراف والعادات في سلاسة وهدوء، فسمت طباع الناس، وتهذبت سلوكاتهم، وتحررت مخاوفهم، وعم الرخاء والعيش الرغيد حياتهم، حتى اعتقد الجميع أنه ما من حياة أرقى ولا أجلب للرضا من تلك التي يحيون في كنفها.لكن ما هي إلا سنوات بعد اندمال جروح حربين كُبريين كان من نتائجهما ما كان، حتى انقشع زيف النعيم المأمول والسعادة الموعودة، وتبين أن المساواة الاجتماعية التي كانت المطلب الأسمى والمرغوب الأسنى، ليست خيرا كلها، وأن الديمقراطية وإن كان لها عظيم الأثر في مجرى شؤون المجتمع كله، فإن لها مثالب تَغَافل الناس عنها فخضعوا لها في ذلة وهوان، وعبدوها على أنها صنم القوة، وبعد أن وهنت من جراء إسرافها على نفسها صارت خطرا يحدق بهم ويتهدد المجتمع ككل، وسرعان ما وجدت المجتمعات الغربية نفسها تتعرض لرجة مختلفة، رجة «ناعمة» إن جاز التعبير، هزت المجتمع والأعراف والفرد المعاصر جَراء بروز نمط جديد من التنشئة الاجتماعية والفردية.
جيل ليبوفتسكي
مواليد 1944فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي، أستاذ بجامعة غرينوبل.
ينشغل بالأمور الاجتماعية وبالنزعة الفردية ونزعات الموضة والاستهلاك المفرط في المجتمع الرأسمالي.
كان من بين المشاركين في أحداث مايو 1968 في فرنسا لتغيير النموذج التعليمي الفرنسي.
مع نجاح كتابه الأول، أصبح معروفا في عدد من البلدان، وأحد أهم المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين.
من أهم مؤلفاته:
«عصر الفراغ: الفردانية وتحولات ما بعد الحداثة»