ولمحاولة بناء إجابة متماسكة، ولو مبدئية على هذا السؤال، فلا بد من معرفة تركيبة الفكر الديني السعودي، من بداياته الأولى في عام 1157 للهجرة، في أبسط صورها، والتي يتشارك فيه مكونان رئيسان، استمرا على الرغم مما طرأ عليهما من تبدل وتحول وتحديث، الأول: «الحنبلية» في مسائل الفقه العبادي، والمعاملاتي، والقضائي، والثاني: ما يطلق عليه خصومه مسمى «الوهابية» في مسائل العقيدة، مع أهمية ألا يغيب عن الذهن أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان حنبليًا في الفقه والمعتقد، ولم يأت بجديدٍ، وإنما جدَّد بعض ما اندرس من معالم هذه العقيدة في بقعة جغرافية محددة، وفقًا للطريقة التي سار عليها أحمد بن حنبل، ثم أعاد أحمد بن تيمية بث الروح فيها، بأسلوبٍ ومنهجيةٍ مختلفةٍ عما فعله ابن حنبل، وإن كان النص وسياقاته المعرفية والنظرية واحدة، وما فعله ابن عبدالوهاب هو إعادة إنتاج فكر ابن تيمية، بعد أن توارى الأخير عن المشهد، لما لا يقل عن قرنين من الزمان.
وحتى نمسك الخيط من أوله، فإنه إبّان تأسيس الدولة السعودية الأولى، وانطلاق الدعوة الإصلاحية النجدية من الدرعية، بعد تعثراتها في تجربتي حريملاء والعيينة، كانت السلطة السياسية بقيادة الإمام محمد بن سعود، سندًا وظهيرًا للشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي استطاع بفضلها توجيه المجتمع إلى التدين القائم على الرأي والتوجه الشرعي، الذي كان يتبناه - رحمه الله - فكان هذا السند السياسي ممكنًا لعبور الدعوة، إلى عمق المجتمع النجدي وقتها، بعد مجموعة صراعات، تنقَّلت مع ابن عبدالوهاب في محطاته الثلاث.
ساهمت الدعوة الجديدة بأدواتها وآلياتها المعرفية والمنهجية، في تكوين عقلٍ ثقافيٍ جديد لمجتمع الدعوة، مغايرًا لما كان عليه مجتمع ما قبل الدعوة، رسخ ذلك التربية المنظمة، والجهود العلمية والوعظية، التي كان يقوم بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأتباعه بمساندة السياسي، مما كوَّن لونًا عامًا صُبغت به المجتمعات، التي دخلها الفكر الديني الجديد، ومع هذا نلاحظ أن الدعوة الوهابية، ليست أثرًا ثابتًا، أو بعدًا كامنًا، وإنما هي حراك ثقافي جمع الدين والسياسية والاقتصاد والاجتماع، في قالب واحد وبحسب طغيان أحد المكونات يتشكل وجه المرحلة، وهو ما اتضح لاحقًا، فوهابية الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، تختلف عن وهابية والده، واختلفت عنهما وهابية الإمام فيصل بن تركي، والجميع مختلف عن الوهابية السائدة في عهد الملك عبدالعزيز.
والوهابية كنص «أدبيات» خصوصًا في نصوصها القديمة الأولى، لا بد أن تقرأ في سياقاتها التاريخية المتنوعة، ولا تقرأ أبدًا منفصلة عن هذه السياقات، كما هو الحاصل في غالب الدراسات عن الدعوة الإصلاحية النجدية، مما يجعلها موضع تهمة على طول الخط.
ويمكن تقسيم السياقات التاريخية للدعوة الوهابية، باختصار شديد إلى المراحل التالية: الأولى: التأسيس ومصاعب البدايات ومعضلاتها التي أثرت في الفكر الوهابي، من جهة السيولة والصلابة، والثانية: اكتمال المشروع واستقراره في النفوس والعقول، والثالثة: سقوط الوعاء السياسي والعسكري الحامي لها، والرابعة: النهوض من جديد كمشروع فكري وفقًا لأبعاد جديدة مختلفة عما سبق، أكثر سلاسة وسيولة، والخامسة: النكوص والتعثر مرة أخرى، والسادسة: النهوض والتجديد، والسابعة: الذوبان في مشروع فكري تحديثي داخل دولة حديثة، مما أدى إلى تلاشي الزاويا الحادة، وتحولها إلى زوايا مبرومة لا تجرح ولا تؤذي، والسياق الثامن والأخير: الاحتكاك مع الإسلام السياسي، لتتحول بعض زواياها المبرومة إلى زوايا حادة مرة أخرى.
كان التحول الحقيقي للوهابية، حينما استطاع الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أن يحدث نقلة هائلة في الفكر الديني السعودي عبر أنسنته، ونقله إلى مستوى أكثر تعاطيًا وتماهيًا مع العالم، والتطورات الحديثة في القرن العشرين، في سبيل النهوض بدولته وشعبه، في زمان انتهت فيه مسألة التوسعات الجغرافية للدول الأكثر قوة ومالًا، وبدأت تتشكل دول العالم وفقًا لأنظمة سياسية جديدة مختلفة عن السابق، وذلك قبل نهايات النصف الأول من القرن العشرين.
كان الملك عبدالعزيز يعي جيدًا أن عرابي الوهابية في زمانه، سبيل ممانعة تؤجل تقدم المجتمع وتحضره، مقارنة بالمجتمعات الأخرى، حيث وقفت الممانعة المشيخية المتوجسة، عثرة أمام تقدمه في مسار تحديث البلاد، وضمان الاستقرار السياسي والإقليمي لدولته الفقيرة الناشئة، وحينما تغوّل «إخوان السبلة» - كما ذكرنا في المقال السابق - وهم عبارة عن صورة معززة ومكثفة وفاقعة جدًا من الوهابية في نصها القديم الأول، شكَّل ذلك عائقًا كبيرًا وخطرًا محدقًا بالدولة، إن لم يسارع في وضع حد فاصل لهذه المعضلة، حيث إن عداوة «إخوان السبلة» على خلاف العداوات الأخرى، لا تحسم بمعركة عسكرية فقط، بل لا بد من الحسم على المستوى الفكري أولًا، وهو ما نجح فيه الملك عبد العزيز، فتمكّن بعد تجاوز مشكلة «إخوان السبلة» من تنظيم شؤون الدولة والحكومة وترتيبها، ومسارعة خطى التحديث والتطوير.
وهذه الحركة التجديدية التي قام بها المؤسس، كانت كذلك مسرحًا واسعًا لمعارضات المشايخ النجديين، ولكنها معارضات تختلف عن معارضة «إخوان السبلة»، كونها هادئة لا تخرج عن نطاق الرأي، فلم تكن عائقًا أمام مسيرة البلاد في مواكبة الدول المتطورة، مع حفظ مكانة المشايخ، حيث إن مخالفة رأي بعضهم تتم بصورة تحفظ لهم هيبتهم، ولا تخل بقيمتهم في نفوس الناس، هذا المنهج المتحول في الاعتراض من قبل المشايخ، أسهم وبشكل كبير في تحول الرأي المجتمعي، من ضفة الممانعة إلى ضفة التعاطي والتأقلم، وبالأخص فئة الممانعين بالتبعية، الذين يسارعون إلى اللحاق بالركب وحجز مكان بين المبادرين للتعاطي مع الجديد.
ولو استرجعنا فعل ومنهج المؤسس العظيم قبل أكثر من مائة عام، لوجدنا أنه المنهج ذاته الذي يسير عليه الآن، ويعبر عنه «أمير الحلم السعودي» سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - أيده الله - بوضوح تام، وحديثنا في المقال القادم حول هذا الأمر- بمشيئة الله -.