الحوكمة اسم لامع في عالم القطاع الخاص على الرغم من أنه لا يُعرف لبدء آلياته ونظمه تاريخ محدد، إلا أن كل الباحثين متفقون على أنها جاءت كضرورة للقضاء على الفساد والمساهمة في دفـع عجلـة الازدهار الاقتصادي الناتـج عن جـذب الاستثمارات المحليـة والدوليـة مــن خــلال بنــاء الأطر التشـــريعية والتنظيميـــة لحفـــظ حقـــوق المســـاهمين والأطراف المعنيـــة.

ونظرًا لأثر الحوكمة في قطاع الأعمال فيما يخص حفظ حقوق المساهمين وتحقيق العدالة والشفافية، جاءت فكرة حوكمة القطع غير الربحي كونه مشابه للقطاع الخاص فيما يتعلق بوجوب حفظ مال المتبرعين وإخضاع العاملين فيه للمساءلة بما يحقق التنمية الاجتماعية، ومع انطلاق رؤية 2030 عام 2016 حرصت الرؤية على التأكيد على دور القطاع غير الربحي كمكون أساسي في التنمية، وأطلقت برنامج مكين لحوكمة المنظمات غير الربحية وتصنيفها. وضعت مبادرة مكين على عاتقها -منذ انطلاقها- مسؤولية تحديد الفجوات في القطاع غير الربحي وتوجيه المجتمع نحو فرص التنسيق والاستثمار الاجتماعي في القطاع وقيام المجتمع بدوره في مساءلة جمعيات القطاع غير الربحي وتمكين الجامعات والمراكز من إجراء الدراسات والأبحاث التطويرية وإثبات فاعلية الجمعيات أمام الجهات المنظمة وتحسين الصورة الذهنية للقطاع غير الربحي.

إضافة إلى تمكين الوزارة من التحول إلى الإدارة المبنية على المعلومات وإيجاد آلية مستدامة لتقييم أداء الجمعيات، وقد تضمنت مبادرة مكين استحداث نظام يصنف ويقيم مؤسسات القطاع غير الربحي استنادا إلى ثلاثة معايير رئيسية هي:

السلامة المالية، والامتثال والالتزام، والشفافية والإفصاح.

ولعل من المناسب استعراض صور من أثر ونتائج هذه المبادرة بعد مرور 5 سنوات على انطلاقها عام 2017م على المستوى الوطني وعلى القطاع غير الربحي بمكوناته من الجمعيات الخيرية والمؤسسات المانحة.

فقد ساهمت مبادرة لحوكمة المنظمات غير الربحية وتصنيفها في تحسين صورة المملكة العربية السعودية دوليًا بشكل ملموس، حيث حقق القطاع غير الربحي فـي المملكـة العربيـة السـعودية فـي تقييـم مجموعـة العمـل المالـي (FATF) نتيجــة LC والمقصــود بهــا largely compliant وتعـنـي «متوافــق إلــى حــد كبــير» مــع متطلبــات التقييم. وتعتـبر هـذه النتيجـة ثانـي أفضـل نتيجـة فـي التقييم والأعلـى منهـا C وهـي compliant وتعنـي «متوافـق»، مع العلم أن درجة «متوافـق» لم تحققها سوى دولتين.

وعلى صعيد آخر وفرت مبادرة مكين معلومات مهمة ووفيرة مبنية على بيانات دقيقة عن واقع العمل في القطاع غير الربحي أسهمت في تحديد الاحتياجات التنموية والتطويرية للجهات غير الربحية، كما أن المؤسسات ومراكز البحث -اليوم- تعتمد بشكل كبير على مخرجات زيارات الحوكمة التي تم تنفيذها على أكثر من 1000 جمعية ومؤسسة أهلية، وأصبحت الجهات الحكومية اليوم ترتكز على التقارير الصادرة من مبادرة مكين في رسم وتنفيذ تدخلاتها في تنمية القطاع غير الربحي.

وعند النظر في التحديات التي كانت تواجه المانحين فيما يتعلق بأولوية المنح للجهات الربحية، فإننا نجد اليوم المؤسسات المانحة تعتمد بشكل كبير على تقرير حوكمة الجمعيات في منحها، وهذا بدوره سهل قرار المنح وسرع حصول المعلومات عن الجمعيات المتقدمة للمنح. وعلى صعيد الجمعيات الأهلية نفسها فإننا نجد اليوم أن الجمعيات أكثر وعيًا بأدبيات العمل المؤسسي، وأكثر وعيا بحفظ ممتلكات المجتمع وسمعة وصورة الجمعية الذهنية، كما ساهمت تقارير الحوكمة في تحسين صورة الجمعيات بشكل عام، حيث وضح تقرير حوكمة المنظمات غير الربحية مكين لعام 2020، التزام الجمعيات بشكل كبير بالامتثال والالتزام باللوائح والأنظمة.

أخيرا، فإننا لا نستطيع إغفال أثر مبادرة مكين على المجتمع في تعزيز أساليب أحقية مساءلة المجتمع لمنظمات القطاع غير الربحي وتحسين الصورة الذهنية لمؤسسات القطاع غير الربحي من خلال ما حققته الجمعيات من ممارسة متقدمة في الشفافية والإفصاح مما عزز عند المجتمع قبول هذه الجمعيات وحفزها بشكل أكبر للتبرع ومساعدة الجمعيات.