يقول ابن رشد: "من دونِ حوار التمدنِ تَظلّ مجتمعاتُنا على توحشها". إنها لحكمة عظيمة علينا أن نقرأها بتمعن وبتصالح، وهذا ما نشهد في هذه الفترة من طفرة جميلة ومؤثرة من أفلام قصيرة ومعبرة عن التصالح والسلم على اليوتيوب فقد بات كل ما تحتاجه الأفكار لتظهر هو كاميرا دقيقة وفكرة جيدة لتصنع فيلم حياتك أو فيلما عن وطنك، أو فيلما يتحدث عن قيمك وأفكارك.
إن "فيلم شعوب" فيلم مختلف، وهو فعلا رائع ومؤثر وقدم بشكل بسيط معبر وهو فيلم إعلاني مقدم من حملة مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية لحوار الثقافات من إخراج وكتابة بدر الحمود، وهو على قصره يختصر فكرة عالمية إنسانية مهمة عن التسامح، ولن أقول الحوار مع الأديان أو الثقافات فليست الأديان التي تتحاور بل الأفضل أن نقول حوار الشعوب وتعايش الأديان. نعم على الأديان أن تتعايش على هذه الأرض ولا يبغي بعضنا على بعض، فالتأكيد على حرية التعايش السلمي وحرية الآخر أصبح مطلبا يفرضه الواقع السيسيولوجي والسياسي والثقافي.
إننا بحاجة حقيقة لهذا التعايش لعرض ثقافتنا وديننا أمام شعوب العالم بما يليق به فهو يحمل في جوهره بذور التسامح والسلام وقيم التعايش مع الآخر أياً كان هذا الآخر.
الذين يُجرون حوارات ونقاشات متطرفة ومضادة لكل ما هو إنساني ونبيل، هم في الحقيقة لا يقدمون لنا ولا للبشرية ولا لمرجعياتهم شيئا، بل إنهم في حقيقتهم لا ينفذون إلى عمق الأشياء أبدا، إنهم يتحركون بعيداً عن حقيقة أن الإسلام هو السلام، ويقرؤون الآخر وفق مفاهيمهم المحدودة. بل إنهم يعملون على بث خطاب الكراهية مُحدثين تأثيراً كبيراً وضرراً هائلاً على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم.
في الماضي، ربما كانت الرابطة التاريخية هي التي تربط بين الديانات والشعوب، أما اليوم فإن الروابط اختلفت وأصبحت الرابطة التاريخية في أسفل القائمة، إذ تصدرت كل من العولمة والحداثة تلك القائمة، إلا أنه تظل هناك مكابرة ورفض في تقبل أن هذه هي الحقيقة المعاشة اليوم. وكما التاريخ قائم نقرؤه في هيئة حضارة وواقع، نذكر أن أوروبا لم تنهض من ظلامها إلا بعد الخلاص من الفكر الإقصائي حيث اتجهت إلى العقل الإنساني التحاوري.
وعلينا اليوم أن نلتفت إلى كل الاتهامات التي توجه لنا وتروج ضدنا كوننا نرفض الاندماج والتعايش السلمي، وأننا نعمل على عزل أنفسنا وثقافتنا عزلا مرضياً وأن نتذكر أن خير ما نقدمه في تجربة البشرية هو التعايشِ السلمي ونبذ الخلافات التي قامت على هذه الأرض منذ مقتلة قابيل وهابيل. الزمن تغير وإنتاج مثل هذا الفيلم في فكرته بالرغم من بساطتها هو إعلان عن أجمل قيمنا ومبادئنا و ويظل هناك حقيقة وهي أن الإقرار بالتعددية يقودنا إلى التوقف عن توحش الإنسانية وتعايشها بسلام.