في يوم الاثنين (14 مايو 2012)، كلّف قادة دول مجلس التعاون، بعد لقائهم التشاوري السنوي، وزراء الخارجية باستكمال دراسة ما ورد في تقرير الهيئة المتخصصة التي شُكلت سابقاً لدراسة المقترحات المتعلقة بالانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، ووجهوا برفع بما يتم التوصل إليه من توصيات إلى قمة للمجلس الأعلى تعقد في الرياض.
وبعد القمة، أشار الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية ورئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري، إلى أن المهمة القادمة ستشمل دراسة معمقة لتفاصيل مشروع الاتحاد، و"تفاصيل التفاصيل"، المتعلقة بالموضوع، لكي يكون هناك فهم مشترك في كل خطواته. "بحيث لا يوجد من يفهم الموضوع بشكل وآخر يفهم الموضوع بشكل آخر."
وهذا القرار هو القرار الثاني الذي يتخذه المجلس الأعلى بشأن الاتحاد، ففي القمة العادية التي عُقدت في 19-20 ديسمبر 2011، رحب وبارك قادة دول المجلس الاقتراح المقدم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، بشأن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، وانطلاقاً من إيمانهم بـ "أهمية هذا المقترح وأثره الإيجابي على شعوب المنطقة" وجهوا بتشكيل هيئة متخصصة توكل إليها دراسة المقترحات المعنية بشأن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.
وقد شكلت تلك الهيئة المتخصصة من 18 عضواً من الدول الست، وضمت في عدادها وزراء حاليين وسابقين، وأمناء عامين سابقين لمجلس التعاون، وخبراء ومختصين، وعقدت اجتماعاتها خلال الفترة (فبراير-أبريل 2012)، ودرست رؤى الدول الأعضاء التي قُدمت هذا العام، وتلك الرؤى التي سبق تقديمها خلال السنوات الماضية، من قبل الدول الأعضاء، والأمانة العامة لمجلس التعاون، والهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى. ومن خلال تلك الرؤى وجدت الهيئة أن فكرة تطوير آليات مجلس التعاون، بل تغييرها جذرياً، ليست فكرة جديدة تماماً، بل كانت محل نظر من قبل الدول الأعضاء على مدى العقدين الماضيين، خاصة خلال السنوات الخمس الماضية.
وقد خلصت تلك الرؤى والدراسات السابقة إلى نتيجتين هامتين. الأولى أن التكامل بين دول المجلس، على نجاحه في عدد من المجالات، يسير بوتيرة لا تتناسب مع حجم الأهداف التي نص عليها نظامه الأساسي، أو طموحات المواطنين. والثانية هي الحاجة إلى تعزيز آليات العمل المشترك، أو تحويلها جذرياً. واشتركت تلك الدراسات في هدف واحد، وهو كيف يمكن تحويل مجلس التعاون إلى منظمة أكثر قوة وتأثيراً في العالم، وأكثر مقدرة على تحقيق أعلى درجات التكامل بين دوله.
وفي نهاية عملها، في 28 أبريل 2012، رفعت الهيئة تصورها النهائي عن أهداف الاتحاد وشكله والأجهزة الرئيسية التي سيتطلبها الاتحاد.
وكما أشار الأمير سعود في المؤتمر الصحفي بعد اللقاء التشاوري، فإن هيئات الاتحاد يجب أن تكون مصممة بحيث "تعمل ليل نهار لحل المشكلات القائمة في الجوانب الاقتصادية وغيرها من الجوانب، وستكون متفرغة ومستمرة في النظر في القضايا إلى أن تجد حلولاً لها."
وقد نظرت الهيئة إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره أفضل النماذج للاتحاد، بل في الحقيقة النموذج الوحيد للتجمعات الإقليمية الذي حقق تكاملاً أكثر من مجلس التعاون، مما يجعل التجمعات الأخرى أقل فائدة في تقديم نماذج للاتحاد الخليجي.
ومع أن الاتحاد الأوروبي قد يكون النموذج، فإن الاتحاد الخليجي لن يكون نسخة من النموذج الأوروبي، فدول الخليج دول تتميز بخصائص سياسية واقتصادية وثقافية تختلف عن دول الاتحاد الأوروبي، كما أن طبيعة التهديدات والتحديات التي تواجه دول الخليج تختلف عما يواجه دول الاتحاد الأوروبي.
وفي لقاء الرياض الأسبوع الماضي، اطلع قادة دول المجلس على تقرير الهيئة المتخصصة، وبناءً عليه كلفوا وزراء الخارجية ورئيس الهيئة باستكمال دراسة الموضوع وتقديم توصياتهم بهذا الشأن للقمة القادمة.
ومنذ طُرحت مبادرة الاتحاد في شهر ديسمبر الماضي، ظهر بوضوح مدى شعبية الفكرة، فأشارت استطلاعات الرأي إلى دعم عميق وأصيل للفكرة، بين شرائح الشعب الخليجي، بشكل يفوق معدلات الدعم الذي يحظى به الاتحاد الأوروبي بين الأوروبيين. وتُظهر تلك الاستطلاعات وعياً متقدماً بين الخليجيين عن الفوائد المتوقعة للاتحاد، وعن الحاجة الملحة إلى إنجازه بشكل سريع، لمواجهة التحديات والأخطار المحدقة بالمنطقة. ويبدو من الاستطلاعات أن الإعلان الذي صدر بعد قرار قمة ديسمبر 2011 رفع توقعات المواطنين وآمالهم في إعلان قيام الاتحاد فعلياً في قمة الرياض الأسبوع الماضي، ولذلك فمن المفهوم أن يحس بعضهم بخيبة الأمل بسبب تأخر ذلك الإعلان.
ولكن، أخذاً بالاعتبار الاحتياجات الكبيرة التي يتطلبها تأسيس الاتحاد، فإن قلة كانوا يتوقعون أن يتم الاتفاق على "تفاصيل التفاصيل" بتلك السرعة. فمع أن الاتحاد يحظى بدعم ساحق على المستويات الرسمية والشعبية إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى بذل جهود كبيرة للتوصل إلى اتفاق على تفاصيل الآليات العملية لهذا المشروع التاريخي، انطلاقاً من "الحرص على استكمال كافة جوانبه وبشكل متأن يخدم الأهداف المأمولة."، حسبما ورد في البيان الذي صدر عن القمة الأخيرة.
ولذلك فإن من المؤكد أن المسيرة نحو الاتحاد الخليجي ستستمر إلى أن يصبح حقيقة واقعة، في المستقبل القريب على الأرجح.
وبالطبع، وكما هو متوقع، فإن ثمة أصواتاً نشازاً تثير الشكوك حول إمكانية الاتحاد أو فائدته، وتثير الشبهات حول دوافعه. ويأتي أغلبها من المتشددين على الجانب الآخر من الخليج، ودوافعها واضحة.
وبالإضافة إلى إيران، أثار عدد قليل من "الخبراء" بعض الشكوك، وليس من الواضح دوافع تلك المواقف، سوى نظرة الاستعلاء التي تشكك في قدرة شعوب الخليج على بناء مثل هذا المشروع الطموح.
ولو رجعت إلى بدايات مجلس التعاون منذ أكثر من 30 عاماً، لوجدت مثل هؤلاء المشككين يستخدمون الحجج نفسها. ولكن المجلس نجح رغم توقعاتهم، وهذا ما سيحدث في مشروع الاتحاد!