يكاد يجمع معظم المهتمين بالإعلام المرئي في المنطقة الجنوبية على أن مرحلة ثمانينيات القرن الميلادي الماضي هي الفترة الذهبية لتلفزيون أبها، من حيث نوعية الإنتاج ومساحة التغطيات الإخبارية والبرامجية المميزة.

وعندما تم تكليف الدكتور عبدالعزيز بن حمد الحسن مديرا للمحطة كانت منطقة عسير أشبه بورشة عمل كبرى من خلال تنفيذ مشروعات تنموية عملاقة، والتحول إلى السياحة الداخلية كصناعة مستقبلية ذات أهداف اجتماعية واقتصادية واعدة.

وفور وصول الحسن اجتمع بمديري أقسام المحطة، وجرى الاتفاق على المواكبة الإعلامية والتركيز على ما تزخر به المنطقة من جمال الطبيعة وأصالة التراث، ومد جسور التواصل والتفاعل المستمر مع إمارة المنطقة والإدارات الحكومية والمجتمع المحلي، في حين وجه المخرجين والمصورين عنق الكاميرا باتجاه مراكز العمل، وتسليط الأضواء على الميدان، وزيارة المناطق والمحافظات التابعة لها، وتصوير وتوثيق مشاهد الحياة في السهل والجبل والوادي.

وانعكست ثقافة الحسن كشاعر وأديب وإعلامي على منهجية الإنتاج البرامجي، وفي مقدمة ذلك السهرة الخليجية المشتركة، وعندما عرض فكرتها على المسؤولين في وزارة الإعلام وتحمل مسؤولية نجاحها.. جاءت الموافقة وتواصل مع الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- للمشاركة بقصيدة وصفية عن أبها (يا عروس الربا الحبيبة أبها)، والتقى بالفنان محمد عبده، الذي حضر إلى أبها بعد تلحين الأغنية، وجرى تصوير المشاهد الخارجية في جبل ذرة والسودة، وكلف المذيع المتألق أحمد عسيري بإعداد وتقديم فقرات السهرة، في حين أسند إخراجها إلى المخرج ضايف الغامدي.

بصمة السهرة بصمة التميز والنجاح فيما بعد على إنتاج البرامج الأخرى، ومنها عسير والصيف، جولة تلفزيونية، مع المزارعين، الفنون الشعبية، النادي الأدبي، مسرح المنوعات، أخبار المناطق، ندوة الأسبوع، برنامج الأطفال، إلى جانب البرامج الوثائقية والدينية والإخبارية، وقدمت أمل قدومي حلقات من برنامج الأسرة، ونتيجة لذلك كان العمل يتواصل حتى ساعة متأخرة من الليل مع المتابعة والنقد لكل ما يتم تنفيذه.

وساعد في سرعة الإنتاج وصول كاميرا فيديو البيتيكام، وتم استخدامها لأول مرة خارج الأستوديو عندما قرأ كاتب هذه السطور خبرا عن متنزه عسير الوطني.

وفي بداية عام 1404 للهجرة حدث تطور مهم وتاريخي للإعلام المرئي بمنطقة عسير، حين وصلت أول سيارة نقل تلفزيوني خارجي إلى مدينة أبها، استلمها من تلفزيون المدينة المنورة، وأشرف على سيرها المخرج مستور بن مبارك الشهراني والمصور عبدالله بن سعد بن مشيط -رحمه الله- . في اليوم الثاني من وصولها أعطى الحسن الثقة للجميع، وخرج منسوبو المحطة إلى مدينة الأمير سلطان الرياضية في المحالة لنقل حفل التجمع الشبابي الخليجي على الهواء.

ولأول مرة يشاهد الجمهور مصورين وكاميرات تسير على عجلات في زوايا الملعب ومنوتيرات وأعمدة إضاءة وكانت حديث الناس لشهور عدة.

نجحت التجربة بامتياز، وتلقى مدير المحطة التهاني على هذا العمل الكبير لينطلق بعدها النقل الخارجي وعلى الهواء للمؤتمرات، الدورات الرياضية، الندوات الثقافية، احتفالات الصيف وجائزتا أبها والمفتاحة وغيرها من المناسبات.

ومن الأشياء الملفتة في تلك الأعوام الثمانية أنه كان يتناوب على جميع البرامج والأخبار مذيعان فقط هما أحمد عسيري، إبراهيم نيازي، إضافة إلى مقدم برنامج الفنون الشعبية سالم المحيريق.

وتقدم أشخاص للعمل كمذيعين متعاونين وأجريت لهم تجارب لقراءة نصوص إخبارية وأرسلت للرياض ولم تتم الموافقة عليهم. واستقبلت المحطة دفعة جديدة من الشباب الذين عملوا في الإخراج والتصوير والإضاءة ومنهم فطيس بقنة، عبدالله الزهراني، حسن عقران، مهدي عبد الهادي، يحيى محمد مناظر، سعيد حامد القحطاني، ناصر القبيسي، جابر مغثم، عبدالله حنون، سعيد شايع، إبراهيم النحاس، إبراهيم معافا -رحمه الله-، وغيرهم من الفنيين المبدعين.

كانت برامج وأخبار عسير وجازان ونجران مميزة لها قصب السبق والحضور الدائم على الشاشة الصغيرة، إضافة إلى نجاح المحطة في نقل مناسبات كبيرة شهدتها المنطقة، ومنها الزيارات السنوية لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وسمو نائبه الأمير عبدالرحمن بن عبدالعزيز -رحمهما الله، والعرض العسكري السنوي للقوات المسلحة، والاحتفال الكبير لمنطقة عسير في ساحة البحار بالأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، أول رائد فضاء عربي مسلم، ومؤتمر البلديات والمجمعات القروية، ومؤتمر الغرف التجارية ورجال الأعمال على مستوى المملكة، ومؤتمر وزراء الخارجية والدفاع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، والكثير من المناسبات الثقافية والسياحية، وجولات أمير المنطقة ونائبه، وزيارات كبار المسؤولين.

بعد ثلاث سنوات غادر الدكتور عبد العزيز الحسن أبها، إذ تم تكليفه مديرا لتلفزيون الدمام، وقبل ذلك مديرا لتلفزيون جدة، ونجح في تغطيات موسم الحج ليستدعيه المسؤولون ليتولى الإشراف على أول إدارة للإعلان التجاري بالقناة الأولى، كما عمل مديرا للعلاقات الدولية بالتلفزيون، وكُلف بمناصب في الإذاعة والتلفزيون، آخرها مدير عام إذاعة الرياض.

وبعد ترجله من كرسي العمل عمل محاضرا للإعلام في جامعتي الملك سعود والإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولازال حتى اليوم له نشاطات إعلامية وثقافية متعددة.

وعندما كنت في دورة خارج المملكة قبل عشرين عاما نظمها اتحاد إذاعات الدول العربية، قال لي أحد كبار الإعلاميين العرب لو أن له من الأمر شيئا لكلف الدكتور عبدالعزيز الحسن مديرا لإحدى القنوات الفضائية العربية الخاصة، لما يملكه من ثقافة عالية وحس إعلامي وخبرة واسعة.

ومنذ افتتاح المحطة تسلم عمل إدارتها مجموعة من المديرين لفترات لا تزيد على ثلاثة شهور أثناء إجازات أحمد الغامدي وعبد العزيز الحسن ومنهم، حميد الدوسري، عيسى أبو لحسة، محمد الضراب، شلهوب الشلهوب، عبدالله الشهري، أحمد الحكمي -رحمه الله - .

بعد ذلك تم تكليف محمد أبو ناصف مديرا للمحطة لمدة ثلاث سنوات، وجاء عام 1411 للهجرة، وهو العام الذي غادر التلفزيون كاتب هذا المقال مترقيا ومكلفا لاستلام مكتب وكالة الأنباء السعودية في عسير من الإعلامي الدكتور حسين القحطاني.

في تلك الفترة صدر قرار المسؤولين في التلفزيون بتكليف علي آل عمر عسيري -رحمه الله- مديرا لتلفزيون أبها، وصادف بداية عمله تعيين أربعة من الشباب المؤهلين إعلاميا إبراهيم زهير، سعيد آل نعمة، علي اليامي، عبدالله العرافي، وأجريت لهم التجارب اللازمة كمحررين ومذيعين.

والتحق بهم فيما بعد الدكتور أحمد التيهاني مذيعا متعاونا، ثم جاء سعد زهير وناصر حبتر ليواصلا تألقهما ونجاحهما رغم بدايات انتشار البث الفضائي لعشرات القنوات المنوعة، التي حولت أنظار المشاهدين إليها بشكل ملفت.

وكانت مكتبة المحطة منذ افتتاحها ولمدة أربعة عشر عاما تزخر بمئات الأشرطة تحتوي على مئات الساعات من البرامج الوثائقية واللقاءات والصور والأحداث والمناسبات لعموم منطقة عسير ومناطق جازان ونجران والباحة.

إلا أنه للأسف الشديد لا أعلم أين ذهبت تلك الكنوز الإعلامية التي لا تقدر بثمن، ومن يتحمل مسؤولية إتلافها إن حدث ذلك؟.