ذات يوم وقفت أمام شاطئ البحر الأحمر في ليلة قمراء. كان الهدوء يحيط بالمكان برغم وجود الكثير من مرتادي الشاطئ. وقفت أتأمل الموج وهو يتدافع على الشاطئ وكأنه يصافحه ويعانقه. فألهمتني هذه اللحظة وتمثلت قائلاً: تدافع الموج والشاطئ يعانقه... عناق من غاب أعوام وقد رجع || يا ساكن القلب لم تشف مواجعه... أرع انتباها، أريك الجرح والوجع.

فبرغم بساطة تلك اللحظة، فإن شاعريتها أضاءت شعلة الوجدان في أرشيف مكتبة الذكريات. تلك الذكريات التي كانت لحظاتها ساحة معركة وصراع بين العقل والعاطفة، التي نختصرها بكلمة: «الحب». ذلك الشعور العميق الذي يجعلك تنظر إلى داخل وجدانك وتكتشف من خلاله حسك المرهف ودقة حدسك.

فيجعلك في حالة نفسية متناقضة ومضطربة: تفرح وتحزن. تشعر بالخوف من الفقد، وفي نفس الوقت، تشعر بالأمان والاستقرار.

تشعر بالغضب ثم تشعر بالرضا. يجعلك تخرج من ذاتك لتراها بعين الآخر.

تلك المشاعر تجعلك تنظر بعدسة مكبرة إلى المحبوب وليس بالعين المجردة. في مقاله «الحب والعدالة» (1995) يقول بول ريكور: «إن خطاب الحب هو... خطاب مدح. ففي أثناء المدح يبتهج الإنسان برؤية هذا الذي يعلو فوق كل شيء سواه. وبهذه الصيغة المختصرة فإن المكونات الثلاثة – الابتهاج والنظر والإعلاء من شأن (المحبوب) – هي مكونات تتمتع أيضا بقدر متساو من الأهمية.

إن الذي يغمر المرء بالفرح هو تثمينه للمحبوب باعتباره أسمى الأشياء».

وبرغم هذه المشاعر التي تكنها في الوجدان لمن تحب، إلا أنها تجعلك تعيش في حالة فوضى لا يحكمها قانون. مع ذلك تطلب «العدالة». ولكن، العدالة – المتمثلة في الإنصاف والمساواة – التي تطلبها ليس لها سلطة عليا تحسم الأمر بين الخصوم – كما تمناها الفنان الراحل فهد بن سعيد:

لو للهوى حاكم يحكم على القانون... ما صرت لي ظالما بالهجر يا مظنون.

وإنما هي عدالة تتحقق من خلال الحكم القضائي الذي يصدره المدعى عليه (الخصم). أي أنها كما وصفها المتنبي في محبته لسيف الدولة:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

العدالة المقصود بها هنا، هي تحقيق التوازان فيما بينك والآخر من خلال الإنصاف والمساواة. فالتوازن المنشود يتحقق في مناصفة المسؤولية في توزيع متساو للحقوق والمنافع بما يرضي مصلحة الطرفين.

أي أن كل طرف يتحمل مسؤولية إنجاح تلك العلاقة من خلل التعاون على تذليل العراقيل بالتواصل البناء، الذي يقوم على الفهم والتفاهم. فلا يمكن أن تتحقق العدالة، إذا كان أحد الأطراف نرجسياً، أو استغلاليا مخادعاً. لأن العدالة فضيلة.

يمكن أن نقول: إن العلاقات التي تكون العاطفة محركها الأساسي سواء كانت علاقة زوجية رسمية أو زوجية روحية، يمكن أن تستمر إلى مدى بعيد، إذا قامت على مبدأ «المقايضة». فالمقايضة– كما تعرفها معاجم اللغة– «هي بيع السلعة بالسلعة». وتسمى أيضاً ببيع «المبادلة».

بمعنى آخر هو أن تأخذ شيئاً من شخص ما وتعوضه بشيء مثله أو بأفضل منه سواء بالقيمة أو النوع. فتبادل مشاعر اللطف، والاهتمام، والتقدير، والوفاء ما هي إلا «معاوضة» بين الطرفين – حيث كل واحد يعوض الآخر عما أخذه منه. هذا التبادل والمقايضة المعنوية تعبر عن «الصدق» والوفاء مما ينتج عنه الرضا والشعور بالإنصاف والمساواة.

بمعنى أنك في علاقة تبادلية تعطي وتأخذ بمصداقية وشفافية – لا تشعر بالجور أو الظلم. فما «آمن به القلب صدقته الجوارح». فالعدالة في مثل هذه العلاقات، كما يقول ريكور، تولد شعورا بـ«التبعية المتبادلة» والشعور بـ«الاستدانة المتبادلة». أي أن كل واحد مدين للآخر.

هنا، نجد أنه عندما يكون هناك خلل في أي علاقة كانت، نجد أنه بسبب غياب الانصاف والمساواة. بمعنى آخر، أن العلاقات غير التبادلية أو التقايضية، التي تجعل من كل شخص يقوم بدوره في تعويض الآخر عما أخذه منه، هي علاقات «جائرة» و«سامة».

إن أوضح مثال للعلاقات غير المتوازنة نجده في قضايا «الطلاق» و«الخلع»، فسوء المعاشرة، والكراهية، والهجر والإهمال كلها كانت نتيجة علاقات غير عادلة – فالاهتمام يقابله الإهمال، والوفاء يقابله المماطلة والتسويف.

فمثل هذه العلاقات غير المتوازنة بالأخذ والعطاء تصبح «سامة» ومؤذية يضطر بها أحد الطرفين لكسر هذا الرابط من خلال «الطلاق» أو «المخالعة» سواء كان رسمياً بورقة من المحكمة أو روحيا بالهروب بمشاعره لحمايتها من التلاعب والاستغلال.

السؤال هنا: هل نحن على إدراك كاف بأهمية مبدأ «العدالة» في علاقاتنا الاجتماعية؟ هل نحن عادلون في علاقاتنا مع الآخرين، أم أننا استغلاليون نفعيون، ونرجسيون لا نعترف للآخر بفضل؟.