العودة إلى التاريخ أمر ليس بالعبث أبدا، ومعروف عند القاصي والداني، أن من ليس له ماض، ليس له مستقبل، وبالتالي لن يكون له حاضر، ومن لم يعد لتاريخه، فضلا عن تاريخ غيره، لن يتيسر له إدراك القيمة المادية والمعنوية لكل ما يحيط به، ولا قيمة العلم والتقدم، ولا معرفة الثمن الباهظ الذي دفعه الأجداد من أجل أبنائهم وأحفادهم، ومسائل أخرى كثيرة..

أمر ولي الأمر، خادم الحرمين الشريفين، بإحياء ذكرى تأسيس الدولة السعودية، يعيدنا إلى ثلاثة قرون مضت، وما جرى في ذلك الوقت، من أمور ومسائل، تمكن بموجبها أئمة الدولة السعودية الأولى: الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المُرَيدي، والإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، والإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود، والإمام عبدالله بن سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود، من توحيد معظم مناطق شبه الجزيرة العربية، ونقلها إلى عهد جديد اتسم بالاستقرار وانتشار الأمن، وتطبيق الشريعة الإسلامية في نواحي الحياة كافة، وظهور كثير من العلماء، وازدهار المعارف والنواحي العلمية والاقتصادية، وإنشاء العديد من المؤسسات والنظم الإدارية، حتى أصبحت الدولة السعودية الأولى متمتعة بمكانة سياسية عظيمة، نتيجة لقوتها ومبادئها الإسلامية، واتساع رقعتها الجغرافية، وسياسة حكامها المتزنة والمعتمدة على نصرة الدين الإسلامي، وخدمة المجتمع والرقي بمستواه الحضاري.

من أعز الوقفات التي أحدثها الأمر الملكي الكريم، ذلك التوضيح التاريخي الرصين لخادم الحرمين الشريفين، لمن حاول أن يغالط غيره في تاريخنا، عندما ذكر قبل نحو 15 سنة، أن الدولة السعودية قامت على أساس الكتاب والسنة، ولم تقم على أساس إقليمي أو قبلي أو أيديولوجي، وتأسست على العقيدة الإسلامية ، مستشهدا بما توقعه المؤرخ الفرنسي مانجان عام 1239هـ/‏‏‏1823م، إثر سقوط الدرعية، عن عودة قيام الدولة السعودية قائلاً: «ولكن ذلك البلد... يضم في جنباته بذور الحرية والاستقلال، فما زالت المبادئ الدينية نفسها موجودة، وقد ظهرت منها بعض البوادر، ومع أن أسرة آل سعود قد تفرقت، ومع أن الفوضى تعم بين الزعماء، فما زال هناك أسّ خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد»، مصححا، حفظه الله، في التوضيح نفسه ، ما قيل عن نسبة أسرة آل سعود، أنهم من تميم، وهذا غير صحيح، وما يجمعهم مع تميم أنهم من نزار بن معد بن عدنان، كما أن القول بأن آل سعود من عنزة، ليس دقيقا؛ فآل سعود من بني حنيفة، وعنزة أبناء عمومتهم، مضيفا، رعاه الله، أن المملكة العربية السعودية لم تقم على عصبية عندما قامت في أيامها الأولى في منتصف القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي. ولم يستند الملك عبدالعزيز على خلفيته القبلية هذه عندما أعاد تأسيس هذه البلاد؛ لأن شرعية هذه الدولة منذ أن تأسست إلى اليوم تقوم على الكتاب والسنَّة النبوية الشريفة..

أختم بتأكيد الامتنان على صدور الأمر الملكي، وتأكيد ضرورة الاحتفال والاحتفاء بكل الذي ورد فيه، كذا المزيد من التعمق في دراسة التغيير الذي حدث على مر العصور، وفحص التحولات المجتمعية المختلفة، وعدم الاكتفاء بالاطلاع على الوقائع والأحداث التاريخية التي مرت؛ للخروج بفوائد نستنير بها في عصرنا الذي نعيش فيه، ومستقبلنا الذي نحلم به.