أمريكا القوية مشكلة لبعض العالم لكن أمريكا الضعيفة تبدو كارثة لكل هذا العالم.

ما يفعله فلاديمير بوتين منذ أن أنهى مرحلة التمسكن حتى التمكن وشرع في إعادة بناء الإمبراطورية الآفلة، يدل على أنه «حريص» تمامًا على انتهاز فرصة ما يعتبره أمريكا المنهكة.. الذاهبة إلى الانسحاب من معارك متفرقة لتجميع قواها في مواجهة الخطر الصيني الناهض، الفعلي والخطير وغير المسبوق.

يفترض ساكن الكرملين أن الهم الصيني هذا يطغى على غيره من هموم شرطي العالم أكانت هذه تتصل بالشرق الأوسط الكبير ومن ضمنه إيران وسلوكها ومشروعها النووي، أو بأوروبا العتيقة وطموحات الكرملين الإحيائية... وأن واشنطن «تعاني» من آثار حربي أفغانستان والعراق (المالية أولا وأساسًا) وتبعات المناخ الانقسامي الداخلي الذي أظهره دونالد ترمب وبشكل لم يكن أحد يتصوره في أقوى وأغنى وأعظم دولة في التاريخ.. انقسام أعاد فتح نقاش كان يُركن في خانة الخيال العلمي حتى الأمس القريب فإذا به صار أو يكاد خيارًا واردًا بالحسابات المنطقية الناشفة وهو المتصل بسؤال مركزي مفاده: هل تبقى الولايات المتحدة، متحدة !؟ أم تُدمج في سردية الأفول الأثيرة التي عنت وتعني بدء سقوط الإمبراطوريات العظمى في اللحظة التي تصل فيها إلى ذروتها !


وقد يكون من المبكر جدًا إعطاء قيمة «علمية» لهذا السؤال الخطير أو تقديم فروض الاحترام لسائليه، لكن مجرد طرحه أو التفكير به يدلان على مدى عمق المأزق الداخلي الأمريكي وعلى استنتاجات تأتي من أداء الإدارة الأمريكية نفسها.. منذ أيام السيئ الصيت باراك أوباما إلى ترمب وصولا إلى جو بايدن. وهو أداء انكفائي واضح وإن اختلفت طرق التعبير عنه. وهذا الأداء المكشوف أنتج في المنطقة العربية والإسلامية خلاصات فتاكة: انسحاب تام غير معلن من قصة النزاع العربي الإسرائيلي والامتناع عن التدخل في مساره إلا بما يخص الشؤون الاستراتيجية والمصيرية وهذه لم تعد تشمل ملكة «فرض» شروط التسوية أو حتى التواضع والبحث في تفاصيلها ! ثم الانسحاب من مقاربة القضية السورية بجدية معقولة ! ثم الانسحاب المبهم من خيارات مواجهة صادّة وحاسمة لمشروع إيران التمددي والتخريبي في جوارها الممتد من أفغانستان شرقًا إلى شواطئ المتوسط غربًا ! ثم مواصلة السير بهدوء على طريق تخفيف أعباء «حماية» أوروبا مع اختلاف في وتيرة ذلك النكوص: كان ترمب يقفز كالأرانب ويمسرح خطواته تبعًا لشغفه بالبهرجة والإعلام، في حين أن بايدن يمشي على الطريق ذاته لكن بروية تشبه روية السلحفاة ! وهو الذي حصد أصلا ما زرعه سلفه الجمهوري لجهة زيادة حصة الأوروبيين في موازنة حلف الناتو وفاتورة الحماية العسكرية بالإجمال !

والبعض يقول، إن الأداء الأمريكي في مفاوضات فيينا يعكس ذلك المسار الانحداري في السطوة والنفوذ ووهج القوة الكاسحة... وأن واشنطن تقدم إشارة واضحة على انعدام رغبتها في الدخول إلى مواجهة كبيرة أخرى وتحويل المعركة مع إيران إلى حرب.. لكن هذا الاستنتاج المنطقي بالمناسبة، لا يسري على القضية الإيرانية المطروحة: موضوع القنبلة النووية الإفنائية يبقى خارج حسابات الربح والخسارة التقليدية، بل هو قضية حياة أو موت ! ولا يمكن لأي إدارة في البيت الأبيض أن تتهاون في مقاربته أو التعامل معه... وصحيح أن طريقة التفاوض تدل على شيء تهدوي لكن الخلاصات العامة غير هذا تمامًا.. ويُفترض بالمفاوض الإيراني أن يتأكد من ذلك وألا يصدق أوهام الضعف الأمريكي هنا ! وهو الذي يعرف، في كل حال أن مشروعه النووي غير مقبول حتى من بكين وموسكو ! بل لا توجد دولة واحدة مقتدرة أو متواضعة، شرقا وغربًا، تقبل أو ترضى بذلك الطموح الإفنائي الإيراني !

وليست الصين بعيدة عن الاستنتاج البوتيني، وتحاول بدورها انتهاز الفرصة و«تصحيح» خطأ جغرافي وتاريخي يتصل بتايوان «وضرورة» عودتها إلى السيادة المركزية في بكين بعد أن تمت عودة هونج كونج من منظومة السيطرة البريطانية في أواخر القرن الماضي !

لكن الفارق الجوهري بين انتهازية بكين وانتهازية موسكو هو أن الأولى خارج المدار القومي الصيني، تذهب إلى فتح العالم بالمال والتنمية على الرغم من كل التباسات ذلك المسار، في حين أن الثانية تعتمد البلطجة نهجًا والقوة التخريبية وسيلة فضلى ! وهذه القوة متعددة الأشكال: لا تخرج عن مدرسة حرق الأرض بما عليها في المعارك العسكرية لكنها لا تكتفي بها بل تذهب إلى آليات قديمة بنمط حديث: تلاحق المنشقين والمعارضين في الخارج وتستهدفهم بالقتل ! ثم تستخدم تكنولوجيا الاتصالات باعتبارها سلاحًا تامًا ومبررًا.. وباردًا !!

والبعض ينسى ما لا يجب أن يُنسى: بوتين بدأ في الشيشان مطلع القرن الحادي والعشرين مساره الدموي الكاسح. وسيمر بعض الوقت قبل أن يتكشف معنى هذا الكلام وتفاصيل «المعارك» التي أنهت مشروع تلك الجمهورية والفظاعات التي سُجلّت آنذاك ! ثم ظهر شيء عملي من ذلك المسار في جورجيا في العام 2008 وبعدها في القرم عام 2014 وإن لم تحصل معارك عسكرية هناك لكن تبعاتها سرعان ما انفجرت في حرب انفصال دونباس والشرق الأوكراني عن الكيان الوطني !

اليوم يدفع ساكن الكرملين الأداء إلى مستويات أعلى وغير معقولة. ويفترض على عادة الشموليين من أمثاله والمعبئين بقيم ذاتية مرّكبة تختلط فيها العزة القومية بالعزة الشخصية والتاريخ بالجغرافيا والنفوذ الخارجي بدوام صنوه الداخلي ومفردة إعادة فرض احترام «الأمة الروسية» بالقوة، والبحث عن تنشيط المجال الحيوي للأمن القومي على حساب دول وأقوام أخرى، يُفترض أن تكون تابعة لا مستقلة.. ثم الإيمان الذاتي بدور خلاصي وقدري (شبه إلهي!) ذلك وغيره كثير يدفع الإحيائي ساكن الكرملين إلى حسابات خطيرة مبنية على فرضية (وحقيقة) ضعف وارتباك الولايات المتحدة، كي يستمر في نهجه المرسوم لاستعادة أوكرانيا إلى حظيرة النفوذ الروسي ! وتصحيح خطأ تاريخي تأتى عن انهيار الاتحاد السوفياتي !

وفي هذه السيرة مع هذا النوع من الطغاة والخلاصيين لا تنفع التنازلات الفرعية: إذا قبل الغرب شرط روسيا بمنع انضمام أوكرانيا إلى الناتو (وهذا ممكن ضمنًا) فسيستمر السيد بوتين بالتقدم وليس التراجع وسيعمل كل شيء تقريبًا لتخريب السلطة المركزية في كييف حتى يسيطر عليها بواسطة أتباعه وصناعه مثلما هو الحال مع لوكاتشينكو في بيلاروسيا مثلا لا حصرًا.

...أمريكا الضعيفة تعني عالمًا من دون شرطي وهذا يعني في المبدأ والتفاصيل فلتان الشر على وسعه ! واحتقار سوية العيش، وتحويل قانون الغابة إلى نهج وسلوك، ودفع الطغاة إلى ذرى أعلى من الأوهام المدمرة التي كان الظن أن الحداثة أنهتها وأن نظام السوق انتصر على الأدلجة المتأتية عنها !

*ينشر بالتزامن مع موقع « لبنان الكبير».