ساد لدى الكثير أن بقايا مبنى في جدة هو لكنيسة إنجيلية، بناها البريطانيون قبل العهد السعودي خارج سور جدة القديم.

ويقع المبنى في منطقة تدعى السبعة قصور بالبغدادية، ورغم التغيرالكبيرالذي حدث في محيطة إلا أنه لم يتأثر بالحضارة حيث تمت إزالة المباني القديمة في تلك المنطقة وبناء عمائر بأدوار متعددة ماعدا هذا المبنى. الشيء الذي دفع الكثيرين إلى التكهنات بأنه مملوك لسفارة أو دولة أجنبية، أوأنه بقايا كنيسة.

المسيحيون في جدة

قيل الكثير عن هذا المبنى، ودفع ذلك الخيال الشعبي لنسج حكايات حولها، منها كما يقول كمال عبدالقادر "إن المبنى لشخص كان يسمى أمير البحر".. واعتبر عبدالقادر وجود كنيسة قديمة في جدة هو تعميق مفهوم الاندماج بين كل الشعوب والأديان في هذه المدينة الجميلة، وأضاف "ولم أعرف أن أتى نهي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة عن بناء كنيسة في جدة أو أي مدينة عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة".

وتروي كتب التاريخ والرحالة وجود جاليات مسيحية ويهودية في جدة، منها ما ذكره الرحالة المستشرق ديديه في كتابه رحلة إلى الحجاز عام 1845 صفحة 229 حيث كان يصف استيلاء الشريف سرور بن مساعد عام 1773 على الحكم وإعجاب العامة به فقام "بإجلاء اليهود عن جدة بعد أن أصبحوا مكروهين بسبب غشهم وخداعهم".

ويذكر ديديه وجود مقبرة للمسيحيين في جدة، حيث أشرف بنفسه على دفن القنصل الفرنسي الذي توفي في جده في تلك المقبرة، بقوله "عدت من الطائف ووجدت أن حالة القنصل الفرنسي قد تفاقمت، وبدا لي أنه يعيش أيامه الأخيرة، لقد كانت تلك الأعراض أكيدة، ثم توفي بعد 3 أيام، وشاركت في وضعه في تابوته ... وتحدد موعد الدفن على أن يكون في اليوم التالي" وتابع بعد أن وصف القافلة التي سارت بالجنازة، بقوله "ومهما يكن من أمر فإن جثمان قنصل فرنسا حمل إلى مثواه الأخير، كما لو أنه من عامة الناس، على أكتاف أربعة من العرب، كانوا حسب تقاليد البلد يجرون بالجنازة، كنا نتبعهم أنا ورفيق رحلتي والسيد كول (القنصل البريطاني) والسيد دوكيه والإخوة ساوة" وأضاف "خرجنا من باب اليمن وبعد أن اجتزنا سهلا رمليا يغمره البحر في حالة المد، وصلنا إلى مقبرة صغيرة مسورة، ومخصصة للأوروبيين، الذين يدركهم الموت في هذه البلاد البعيدة."

ويروي مؤلف كتاب "ماضي الحجاز وحاضره" الذي طبع للمرة الأولى عام 1349 لمؤلفه حسين بن محمد نصيف قائلاً "في إحدى مدن الحجاز (جدة) على مقربة من الشارع الكبير محل يسمى النورية، وعهدي به وأنا صغير مرتع للخمور على مرأى ومسمع من الحكومة التركية، في هذه السوق الصغيرة يسكن بعض اليهود المتتركين وفاتحين حانات الخمور برخص رسمية، كان يؤمها في باديء الأمر الضباط الأتراك وموظفو الحكومة، حتى عمت البلوى، وتطرقت وانتشرت في بين أبناء البلاد (ص116) وهو ما يؤكد وجود جالية كبيرة غير مسلمة"، حيث يضيف الكاتب أن جميع الدول لها قنصليات في الحجاز.

إثارة

وأثارت عبارات عبدالقادر كمال التي نشرها بين أفراد مجموعته البريدية الخاصة العديد من ردود الأفعال حول جانبين من القضية الجانب الأول يتعلق بحرمة بناء معابد غير إسلامية في جزيرة العرب، وهذه تكفل فيها الشريف عصام الهجاري فبين حرمة بناء معابد لغير المسلمين من وجهة نظر المذاهب الإسلامية الأربعة وأفاض في ذكر الأسانيد التي تثبت صحة رأيه، أما الجانب الثاني والذي يتعلق بصحة كون البناء كنيسة أو منزلا خاصا فقد جاء من عدة أطراف، أجمعت على ضرورة حسم الجدل حول هذا المبنى،حتى لا تصبح الأقاويل وما ينشر متناثرا هنا وهناك مراجع يعتمد عليها مستقبلاً

مبنى غريب

يعتبر مبنى البغدادية هو المبنى الوحيد في جدة الذي يختلف طرازه المعماري عن بقية مباني جدة في العصر الذي بني فيه وحتى اليوم ويبدو أن مؤسس المبنى كان على اطلاع بالطرز المعمارية الأوروبية، ومع أن طراز المبنى يميل إلى المدرسة القوطية إلا أن رئيس بلدية جدة التاريخية والمسؤول عن الآثار المهندس سامي نوار ينفي ذلك، وقال في تصريح إلى "لوطن" :"إن الخرائط التي رسمها غربيون تسمي هذا المنزل باسم منزل (أمير البحر) ولا تذكر الوثائق أو الخرائط التي عثرنا عليها أي وجود لكنيسة في جدة، وليس للمسيحية وجود في جدة عدا المقبرة المعروفة والتي يطلق عليها مقبرة غير المسلمين".

ويضيف "أن الطراز المعماري الذي بني عليه المنزل، كان بسبب إطلالته على البحر، وأن القنطرة العالية والتي يدعي البعض أنها بنيت لتعليق الناقوس هي في الحقيقة بنيت لتكون فنارا لإرشاد السفن، أما أنها على الطراز الغربي فأعتقد أن هذا غير صحيح فالتراث الإسلامي زاخر بهندسة القبب والقناطر وهو ليس جديدا على المنطقة ".

خارج سور جدة

يقع المبنى المذكور خارج ما كان يعرف بسور جدة والذي بقي موجودا حتى بدايات العهد السعودي، ويعود بناء السور كما يقول المؤرخ البتنوني في كتابه الرحلة الحجازية إلى السلطان المملوكي الغوري ملك مصر، حيث أرسل الأمير حسين الكردي وكان رجلا قاسيا كما يصفه صاحب كتاب الجواهر المعدة بأفضال جدة "أجبر الناس على بناء السور وقتل بعض من امتنع، وانتهى به الحال إلى أن تواطأ عليه ملك مصر مع شريف مكة فقبض عليه وربط بحجر ثقيل ورمي في بحر جدة"، ويؤكد البتنوني في كتابه على وجود نقش على باب السور الشرقي المسمى باب مكة باسم السلطان الغوري وهو الذي بناه عام 915 هجرية لصد الهجمات البرتغالية عن المدينة وقد أثبت السور فعاليته في غارة شنتها البحرية البرتغالية على جدة عام 948 هجرية حيث لم يتمكنوا من دخول المدينة، وقامت حاميتها برميهم بالنفط المشتعل من أعلى السور فعادوا إلى سفنهم بعد ان تركوا أسلحتهم على أبواب جدة كما يقول البتنوني،

منزل أم كنيسة

ويؤكد الدكتور محمود بترجي أن المنزل الكائن في حي البغدادية والذي يدعي البعض أنه بقايا كنيسة هو في الحقيقة ملك لشخص يدعى علي عبده، وهذا ما يؤكده راكان طرابزوني الذي يضيف أن علي هذا كان من أعيان جدة ولأنه قررأن يبني منزله خارج السور سمي بـ"علي الخبل" كناية عن جنونه، لأنه يبني منزله خارج السورالذي يعتبر حماية لسكان المدينة من اللصوص والغزاة، ويقال إنه توفي قبل اكتمال بناء منزله ولم يكن له ورثة، ولذلك بقيت الدار على حالها.


بناء خاص

إن الجدل حول هذا البناء ينتهي إلى الإقرار أنه منزل خاص بني بطريقة خاصة لأهداف خاصة، ولعل نسبته إلى رجل يعمل قبطانا في البحر ما يعطي دلالة على أن بانيه أراده معلما للسفن القادمة إلى ميناء جدة، فهو مبني من جهة الجنوب للسور القديم في مقابل الميناء القديم الذي كانت ترسو به السفن.

أما ارتفاعه وطرازه فلعل بانيه كما أجمع العديد من المشاركين في هذا الجدل حوله أراده أن يكوم شبه منارة، لإرشاد السفن ليلا خصوصا أن جدة افتقرت في ذلك العهد إلى منارة من هذا النوع، ولم يذكر في تاريخ جدة أي ذكر لمنارة في جدة على الرغم من أنها ميناء مشهور شبه دولي في ذلك التاريخ مما يعني أن وجود منارة كان أمرا ضروريا، وربما كان هذا هو الدافع لبناء المنزل الغريب خارج سور جدة التاريخي.

جدل

مع كل ذلك يؤكد كمال عبدالقادر على أن جميع المؤشرات تدل على أنه أقرب ما يكون إلى بناء كنسي، وقدم صورا تؤكد على الطبيعة الكنسية للمنزل، وهذا ما ينفيه كليا المهندس نوار الذي حذر من أن ادعاءات مثل هذه قد تضر بمصالح المملكة، وقال "القول بوجود كنيسة في جدة قد يدفع بالمتطرفين المسيحيين إلى المطالبة بامتلاك المبنى، أو الضغط باتجاه إعادة إحيائه، وهو مالم يقبل به أحد، وعلى هذا فإن التأكيد كما هو في الخرائط التي لدينا بأنه كان منزلا خاصا، يحسم الجدل حول هذا الموضوع، ويثبت حقيقة عدم وجود أي مبنى ديني غير إسلامي في جدة".