يقدّم المفكّر العربي فهمي جدعان في كتابه "خارج السرب" بحثاً عميقا يتناول فيه النسويّة الإسلامية الرافضة والتي نشأت في فضاء الإسلام المعولم خارج بيئته المحلية من العالم الإسلامي. على الضفة الأخرى في أوروبا وأمريكا حيث الحريّة بلا حدود ولا سقف ولا موانع تحكم أو توجّه أو تشكم؛ انفتح المجال للتعبير بأقصى الشحنات الانفعالية عن مسألة المرأة المسلمة وقضاياها وحقوقها، وجرى ربط أوضاع المرأة المترديّة، إجمالاً، بالدين باعتباره السبب والعائق. لأجل هذا ينبغي إصلاح الدين عبر "تفكيكه ونقده وإزاحته وتحريره من المبادئ والأسس "..." التي يستند إليها).

وعندما يعرض جدعان لهذه النسوية الإسلامية الرافضة، فإنه لا يقصد بثّ الدعاية للأسماء التي تمثّلها. إنما هدفه فهمُ هذه الحركة وإجراء تقييم نقدي لأفكارها وكشف جوانب القصور والخلل المصاحبة لها من صورة متحاملة متجنية تطابِق بينها وبين الإسلام.

ولإجلاء الموقف يخصّص المؤلف فصولاً متتابعة تنهض للإحاطة، بالكتابات النسوية الرافضة، والتوفّر على الأسباب الموجبة لهذا الرفض العنيف الذي يصل إلى الإلحاد والخروج عن دائرة الدين وعن السويّة الأخلاقية عند بعضهن؛ مما يمثّل وجهاً ارتداديّا عن الإسلام في صيغته (الأكثر شيوعاً ورسوخاً له في الحياة المعاصرة).

يستخلص جدعان ـ من مؤلفات وتصريحات ومقابلات لـ: الصومالية أيان حِرسِي؛ البنغالية تسليمة نسرين؛ الأوغندية الباكستانية الأصل إرشاد مَنجي؛ التركية نجلاء كيليك ـ نزعةَ الرفض النسوي الإسلامي التي تتمظهر بزي تنويري يأخذ الطابع الهدمي التدميري الإقصائي بعقل وجداني، غير معرفي، يستسلم للانفعالات دون ضابطٍ ولا ترشيد،.. يجري رصد الخلل في هذه النزعة التي لا توفّر متعاليا ولا مقدّساً بشكل انتقامي فج واستفزازي جارح؛ ينتصب حاجزاً في وجه قبول دعوتهن فضلاً عن التأثير والإصلاح. إلى ذلك هناك غياب للتمييز بين الدين وبين الثقافة حيث تمّ تركيب الثقافة وما بها من عادات وتقاليد وسلطة أبوية على الدين وهذا مؤشّر على انعدام "الهاجس العلمي الاجتهادي" الذي يفرّق بين ما هو ديني نصّي وبين ما هو ثقافي اجتماعي يحاول البعض تسويغه وتبريره دينيا. كما أن من الخلل والتقصير اختزال الإسلام في نظرة واحدة هي "المذهبية المغلقة" التي تأخذ بظاهر النص وتكتفي بالنقل دون أن تعمل التأويل والتفسير والاجتهاد. ثم هناك الجانب الشخصي، التجارب و"الوقائع الوجودية الشرسة" التي مررن بها وأخذت طابعا تعميميا له صداه السلبي في عملية الرفض.

والمخرج الذي يدعو إليه جدعان هو تشغيل العقل المعرفي لمقاربة هذه الحركة الرافضة والقيام بمراجعة تأويلية لـ "مجموع الفقه النسائي" بقصد تصويب وضع المرأة المسلمة الخاضع لمن (يتعللون بظاهر النص وتقليد السلف).