باركت هاتفياً لسعادة المسؤول الإنجاز السريع بهدم واحد من معالم المدينة وردم المكان وسفلتة الموقع.. وكل هذا الإنجاز العظيم في ظرف ساعتين. ولو أن مسؤولي الهدم واثقون من نجاعة ما فعلوه لما قاموا بالمهمة عند الثالثة من تباشير الفجر. قلت له بالحرف الواحد إن المسألة ليست مجرد بيت أثري أو قصبة رمزية بقدر ما هي مستوى تفكير هذه الطواقم الإدارية التي لم تفعل ما يستحق الرفع في مئات الكيلومترات المربعة التي تقع تحت حدود مسؤوليتهم الإدارية ثم تفتق تفكيرهم عن هدم مساحة أربعة أمتار مربعة بتبرير وجودها في ناصية توسعة لشارع مستحدث لم يرسموا خطوطه الأولى على الورق. ومثلما هي العادة معهم فأنا على الرهان أن تمر سنوات الأصابع الخمس قبل أن تبدأ رحلة البناء من ذات الكوادر التي مسحت رمز المدينة في الزمن ما بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر. انتظرت لما يقرب الشهر كي يرد المسؤول على حواري الطويل معه ولكنه كالعادة لا يفعل. هو بشهادة الكثيرين أمين مخلص شريف نزيه ولكنه مثلما قلت له بالضبط: لا يرى غيره إلا من نافذة من الدور العاشر، مثلما يظن أنه الوحيد الذي يفهم لهؤلاء الناس مستقبل مدينتهم. هو يقرر لهم ما شاء، لأن مشيئتهم قاصرة ترى بعشر عين.

قلت لسعادته إن لكل مدينة على وجه الأرض شكلها التحديثي ورسم ما سيكون من مشاريعها عطفاً على طبيعة المدينة. وإذا كان ولابد أن تكون مشاريع التنمية – جراحة عامة – على جسد المدينة، فإن أبها بالتحديد لا تحتمل إلا أن تكون جراحة دقيقة لجسد طفل صغير، وما كان أكثر من هذا فإنه مجرد تشويه لمعالم الجسد. هذه المدينة لا تحتمل هدم الجبال وردم الوادي الجميل تحت سقف – مسروق – مثلما لا تحتاج إلى الكباري والأنفاق التي تحيل مساحتها المحدودة إلى كتل خرسانية على حساب الطبيعة المتفردة، وإذا فقدت أبها هذا الامتياز فما الذي سيبقى لها من ميزة؟ وبدلاً من هدم جبل، فإن الأولى أن تنقل المبنى الحكومي المزدحم إلى خارج المدينة. بدلاً من إعدام الأشجار انقل الموظفين إلى أماكن البراح خارج المدينة. بدلا من التفكير في حلول الازدحام، انقلوا أسبابه، إلى حلول خارج جسد الطفل الذي لا يحتمل شقاً جراحياً من أجل ترميم شرايينه من العنق حتى الركبة. هذه الأفكار المخيفة هي من يعدم هذه المدينة رغم أن الحلول البديلة لا تحتاج إلى خبراء وبيوت خبرة. الخبرة هي أن تقرأ المدينة كما يجب أن تكون.. ولكن هؤلاء سيبرهنون أنهم لا يقرؤون.