أخذ سوق الثلاثاء القديم بأبها شهرته من تصميمه الرائع الذكي باصطفاف دكاكينه على شكل مستطيل وإطلالتها على ساحة واسعة تُعطي انسيابية في حركة البيع والشراء والتنقل، إضافة إلى وظائفه الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والإعلامية. وكان لأصحاب المهن والصناعات التقليدية نصيب الأسد من البيع في يوم السوق الأسبوعي (الثلاثاء) لجودة المعروضات وتعدد استخداماتها ومنافعها في حياة الناس.

وصنفه مؤرخون بأنه من أهم وأكبر وأشهر الأسواق في المنطقة الجنوبية. وعندما أطرح اليوم فكرة إعادة تصميم وبناء سوق الثلاثاء المستوحاة تماما من شكله الذي كان قائما في الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي، فإن ذلك يتواءم مع الأهداف السياحية الكبرى لمدينة أبها بصفة خاصة، والمنطقة بصفة عامة، وتنشيط الحياة في ركن تراثي مهم من تاريخها. وأبها المدينة التي تسكن أهداب السحاب وتسابق الزمن في تنمية طموحة تستحق دراسة فكرة إعادة بناء سوقها القديم، وإطلاق العمل في الحراج الذي كان يتوسط الساحة ويُعد من أبرز معالمه، إذ يراه الناس حدثا فريدا يتجدد عصر كل يوم بمعروضاته ونوادره التراثية الجميلة، وطقوس البيع والشراء، بما فيها من أساليب المبالغة الطريفة والمقبولة.

ولم يكن يُعرض في الحراج خُردة الحديد ولا الرجيع عديم الفائدة من الأثاث والأجهزة والمعدات التالفة، وهي ميزة لحراج سوق أبها لم تتغير، ولهذا يبقى موقعه نظيفا مرتبا تُحيط به عوارض خشبية (سواري) تُرفع عليها قطع الأثاث والمفروشات، بينما المعروضات الأخرى مصفوفة على الأرض بطريقة تلفت الانتباه.

وبعد إزالة السوق في أوائل التسعينات الهجرية اختفى معه الحراج الخاص به.

وإني آمل من أمين منطقة عسير التوجيه بدراسة فكرة مشروع إعادة بناء السوق وفق ما كان عليه في الماضي، بعد اختيار الموقع المناسب، ويُخصص لأصحاب مهن تكاد تندثر ولا يُسمح للوافدين رجالا ونساء أن يعملوا داخل السوق لأي سبب، ويُحظر فيه بيع أو عرض أي منتجات غذائية أو بضائع متنوعة من خارج المملكة، حتى لو كانت مقلدة للأدوات التراثية لنضمن بصمة تحمل عبق الماضي الأصيل.

ولعله من المناسب أيضا أن يبادر «سوق الثلاثاء» بعد إعادة بنائه وتشغيله إلى استضافة مشاركات أسواق شعبية من مناطق المملكة لعرض أفضل المنتجات التراثية لمدة أسبوع من كل شهر، وهي فكرة أقدمها عبر صحيفة الوطن الغراء لأول مرة. فقد تعودنا منذ سنوات على مشاركة معارض وشركات ومؤسسات ومولات ببضائعها المستوردة في مهرجانات التسوق التي تقام في الصيف، إلا أن سوق الثلاثاء سيكون له قصب السبق في فكرة استضافة الأسواق الشعبية لأول مرة خاصة وأن السياحة في عسير ستكون بحول الله على مدار العام.

ولن تعجز الجهات المعنية في الاطلاع على معلومات عن سوق الثلاثاء القديم بمساحته التقريبية وعدد دكاكينه ومداخله من جهاته الأربع، وأهم معالمه وموقع الحراج والأحداث والشخصيات التي مرت على هامش السوق، وغير ذلك من الوثائق التاريخية، ويمكن الحصول عليها من كبار أمناء ذاكرة مدينة أبها ومنهم:

عبدالرحمن بن سعيد أبو ملحة، أنور بن محمد آل خليل، أحمد بن عبدالله عسيري، اللواء متقاعد خالد بن شايع عسيري، أحمد بن محمد نيازي، الدكتور عبد الرحمن بن أحمد آل مفرح، عبدالله بن شاهر عسيري، بندر بن عبدالله آل مفرح، أحمد بن محمد الترابي، حسين هبيش.

إن سوق الثلاثاء الحالي يعرض خليطا من البضائع أغلبها مستوردة، وهناك دكاكين تبيع ما ليس له علاقة بتراث المنطقة مثل الملابس وألعاب الأطفال والأدوات المنزلية والأجهزة، ولذلك لا يعكس الصورة الحقيقية للسوق القديم.

أما الحراج الموجود في شمال المدينة فهو حراج عام مفتوح يشتري ويبيع ما يرد إليه في حين كان حراج السوق القديم لا يعرض إلا النوادر من كل شيء.

وهو ما أطالب به ليعود مع سوقه العتيق (ثلاثاء أبها) في حُلة أبهى وأحلى.