نعم يوجد برنامج (موهبة) في التعليم لدعم المواهب وتقليص سنوات الدراسة حسب اختبارات محددة للترفيع أو التسريع بشكل انتقائي أكثر من كونه حالة تعم وتشمل الجميع، كأرض خصبة، تلقى فيها بذور التثقيف وعلى الأخص (القراءة) ومتابعة نموها ورعايتها كمحصول يغذي فكره وفكر من حوله كحقل استثماري مستدام، يثري المشهد الثقافي بفروعه كافة، ويسهم في إعداد ثروة ثقافية وطنية في مجال الأدب والشعر والرواية والقصة القصيرة والمقال والإلقاء.
إن وجود مثل هذا المشروع الوطني والذي يربط الثقافة بالتعليم كشراكة أو كراع، مهم في إعداد واستكشاف الكتّاب والمفكرين وتبني موهبتهم، فكم من نجيب محفوظ وكم من طه حسين يعيش في هذا الوطن لا يعلم حقيقة نفسه ولم يلق الدعم الذي يحفزه للاستمرار!.
ومبدئيًّا أتوقع أن أحد أهم نواتج هذا الالتئام بين الثقافة والتعليم هو تشافي (اللغة العربية الفصحى)، والتي لم تجد معها أساليب العلاج السطحية، ولم تغر في أعماقها لتأصيلها كاعتزاز وطني ناتج عن إرث جغرافي تجب المحافظة عليه، والامتداد به لمرحلة التطبيق والممارسة، وملء المحتوى المحلي وحفظ حقوقه الفكرية وتنميتها، بتبادل الخبرات مع النخب الثقافية المختلفة، وإيجاد مجتمع ثقافي له فكر يحمي نفسه من الأفكار المتطرفة والأفكار الظلامية، ويكون أيضا بمثابة العجلة المستمرة في قيادة الفكر الثقافي نحو الانفتاح المجتمعي المسؤول، والتنافس الثقافي المستمر، والارتقاء بالمؤسسات الثقافية إلى التوسع، من إقامة المعارض، إلى تأسيس هيئات وكيانات، ليس في الوطن فقط، بل على مستوى العالم من خلال التأليف والترجمة.
لفت انتباهي مبادرة مصر بفترة الستينات بعنوان (إصدار كتاب كل 24 ساعة)، وما نتج عنها من إثراء ثقافي، سواء على مستوى الكتب أو الأسماء التي بدورها تعتبر إمدادا لوجستيا للسينما والإذاعة والتليفزيون، وتأثيرها في الوعي والذائقية والنقد. كل ذلك بدأ من البذرة الأساسية (قراءة الكتاب). لاشك أن لدينا كما من المواهب لا يقل شأنا عن أسماء أدباء ومفكرين كان الإعلام له الفضل الكبير في تبني وتسليط الضوء عليهم ودعمهم، بنيل الفرص التي بلاشك أنهم يستحقونها.
إن استثمار العقول وتنشئتها في بيئة ثقافية تحترم الكتاب، وحاضنة صحية له تحميه من المخاطر، لسلامة وأمن فكره، يحتاج إلى رعاية وطنية مختصة لإنجاح هذا الاستثمار وتحويله إلى ثروة حقيقية، أكثر المستفيد منها هو الإنسان بصفة عامة والوطن بصفة خاصة.