كنت له جملة مفيدة لي، وإضافة لديه، لأنه حاول أن يقدم نسخة لا تشبهه، بل في حالة من رغبته التي تتجاوزه، وهذا نجاح خارق لا يقوم به إلا الأنقياء ممن قاموا بتعليمنا من أول حرف حتى تخرجنا للعمل وللحياة.

المعلم الأول في هذه الحياة هو الأب، الذي يجلب الصحف والمجلات والكتب إلى منزلنا لتضفي عليه رائحة الورق، بل قل رائحة الأشجار، وتلك الأم رغم أميتها تضفي علينا معنى (الصبر) ومعنى (المحبة) للجميع صغيرهم قبل كبيرهم.

في المراحل الأولى من الدراسة لم أنس وجوه من كان لهم بالغ التأثير من المعلمين من أبناء الوطن، ومن مصر والسودان والأردن والعراق، ربما نسيت أسماءهم مع البعد والتغير الدائم، ولا زالت ذكريات تعلم الخطابة والرسم والصحف الحائطية التي نكتبها ونرسمها، ورهبة المايكروفون باقية في خلدي حتى هذه اللحظة.

تسير بنا الحياة والدراسة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، لتبدأ مرحلة تليها متنوعة العلوم، وبالتالي يتنوع المدرسون الذين يمنحونك فضاءات أخرى وربما شخصيات تؤثر فيك طوال العمر، ويرتبطون في ذهنك، وهناك حادثة أذكرها مع أستاذنا الدكتور أحمد الضبيب في كلية الآداب بجامعة الرياض، وكان أستاذ الأدب العربي آنذاك، حينها قرأ لنا قصيدة للشاعر (ذو الرمة) وبعد أن انتهى من قراءتها سألنا ما رأيكم؟ قلنا جميعا وبصوت واحد: (لم نفهم شيئا)!

ابتسم في وجوهنا بلطفه المعهود وقال: عليكم بالبحث عن معاني الكلمات ونلتقي الأسبوع القادم، حين بحثنا، بدأت المعاني تتضح لنا قليلا قليلا، ارتبط في ذهني الدكتور أحمد بذي الرمة وأحببت قراءة ديوانه وخصوصا في قصائد (الصيد)، التي تشبه بعض مقاطع صوره لقطات السينما التي تعتمد على الحركة والبطء المقصود والحركة المفاجئة للصياد، والطريدة الآمنة.

كثير من الأساتذة في الجامعة مثل الدكتور عبد الرحمن الأنصاري، والدكتور خالد البدلي - رحمه الله - والدكتور منصور الحازمي بخفة دمه المعروفة، والدكتور محمد الشامخ، الذي لي معه حادثة طريفة جدا فحينما انتهيت من كتابة مجموعتي الأولى (الخبز والصمت)، طلبت منه أن يشرفني بكتابة مقدمة لها، التفت إلي وقال: يكفي عنوان المجموعة؟!، واعتذر بلطفه المعهود، رحمه الله.

الحديث هنا لا ينتهي أبدا، والحكايات تترى في هذا المجال الغني بالتفاصيل والأحداث، وسلامتكم.