شهد سوق الاتصالات في الشرق الأوسط ازدهارًا كبيرًا على مدار الأعوام الماضية بفضل إطلاق شبكات الجيل الخامس ومشاريع التحول الرقمي التي تنفذها المؤسسات من أجل تعزيز قدراتها التنافسية.

وفي خضم التنافس الكبير الحاصل في مجال تطوير شبكات الاتصالات باعتبارها عماد الرقمنة في مختلف القطاعات والصناعات، تم طرح العديد من التساؤلات عن تصميم شبكات الجيل الخامس مؤخرًا في ظل المناقشات حول شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة أو ما يعرف بـ Open RAN وأثر هذا النموذج في أعمال مشغلي الاتصالات والمستخدمين النهائيين، وما يرتبط بمبادرته الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية.. وافق عدد من مشغلي الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي مؤخرًا على استكشاف الإمكانات التي توفرها شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة، وأعلن سبعة مشغلين انضمامهم لبرنامجها الذي أطلقته وتروج له الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الناحية النظرية، يؤدي اعتماد نموذج الوصول اللاسلكي المفتوح إلى تغيير طريقة إدارة الشبكات بشكل كبير، حيث يتطلب هذا النموذج تمكين التشغيل المشترك بين الحلول التي يوفرها مختلف موردي التجهيزات. وعلى مدار الأعوام الماضية، تمت دراسة الوصول اللاسلكي المفتوح واختباره في بعض الأسواق العالمية، ما أدى لتحفيز مشغلي الاتصالات في منطقة الشرق الأوسط لتبنيه. عادةً ما يتم بناء الشبكات بالاعتماد على الحلول والنماذج التي تتماشى مع المعايير العالمية مثل اختبار أمان تجهيزات الشبكة للجمعية الدولية للهاتف المحمول، حيث يجب على المشغلين ومصنعي التجهيزات الالتزام بهذه المعايير في تصميم الشبكات ونشرها.

وعلى الرغم من أن الوصول اللاسلكي المفتوح ليس معيارًا بحد ذاته، لكنه يُعتبر إطارًا تنفيذيًا يمكن أن يشكّل اختبارًا لمعايير الشبكات. وقد أدرك خبراء التكنولوجيا ومشغلو الاتصالات على المستوى العالمي أن المعايير والمنهجيات المتبعة غير كافية لضمان التشغيل المشترك للحلول التي يوفرها الموردون في نموذج الوصول اللاسلكي المفتوح.

ونظرًا إلى أن موردي التكنولوجيا الصينيين - بمن فيهم الموردون الرائدون في أبحاث الجيل الخامس - ليسوا من الأطراف الفاعلة في النظام الإيكولوجي لشبكات الوصول اللاسلكي المفتوح، فمن المحتمل أن برنامج شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة يحمل في طياته طابعًا سياسيًا ولا يقتصر على كونه مسألة تقنية.

ففي الوقت الذي يدعو فيه برنامج شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة لتبني تعدد الموردين، لا نجد فيه موردي شبكات الجيل الخامس الصينيين.

وتعتبر التكلفة من الأمور الأساسية في هذا النموذج، حيث يستثمر مشغلو الاتصالات في تعزيز شبكات الجيل الخامس بشكل كبير. وتم طرح شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة كنموذج يفترض أنه سيؤدي إلى زيادة المنافسة بين مصنعي تجهيزات الاتصالات، مما قد يؤدي بدوره إلى خفض تكلفة التجهيزات في محطات الشبكات بالنسبة للمشغلين.

وبما أن هذا الموضوع لم يتضح بعد ولم يتم تجربته ميدانيًا بشكل كاف، فقد أشار المحللون إلى مجالات أخرى قد يتحمل فيها المشغلون مزيدًا من التكاليف في حال اعتماد نموذج الوصول اللاسلكي المفتوح. وربما تكون إدارة شبكة معقدة من الجيل الخامس بالاعتماد على حلولٍ من عدة موردين أكبر تكلفة من الاعتماد على مورد واحد -أو عدد أقل من الموردين- والذي يمكن أن يتحمل مسؤولية صيانة الشبكة.

وعلى الرغم من أن مشغلي الاتصالات قد يتمكنون من الحد من النفقات الرأسمالية لمحطات الشبكات بالاعتماد على نموذج الوصول اللاسلكي المفتوح، إلا أن العديد من الخبراء التقنيين توقعوا أن تصل نفقات عمليات إدارة الشبكات إلى 80% من التكلفة الإجمالية للملكية أي ما يزيد بكثير على النفقات الرأسمالية.

وتشير عمليات التقييم التي أُجريت على شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة إلى أن هناك العديد من الفرص والتحديات التي تؤثر على كفاءة المنافسة وتوافق الخدمات والتكاليف والأمان. ولا يمكننا الإجابة على هذه الأسئلة إلا من خلال إجراء المزيد من عمليات التقييم.

ولعل أهم ما في الأمر أن مستقبل الشبكات في بلداننا مرهون بقرارات مشغلي الاتصالات الذين يتطلعون قدمًا لتطوير شبكات الجيل الخامس التي أطلقوها ويعملون على تعميم نتائجها الإيجابية على مختلف القطاعات والصناعات.