رغم أنصاره وأعدائه إلا أن فلسفته لا تلبث أن تعود إلى قلب ثقافة الإنسان المعاصر.. إنه ماركس بكل ما أثير حوله من جدل وبكل ما حواه فكره ومنهجه من أبعاد، فهو الذي اعتبرت فلسفته منهاجا معرفيا لدراسة البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وامتدت جذور هذا المنهج لتشمل الاهتمام بالإنسان ككائن وبكل الطرق التي من شأنها تحقيق طاقاته واقعيا، فكان من أكثر الباحثين المهتمين بجدية بمفهوم الاغتراب.
إن الفلسفة الماركسية هي احتجاج، واحتجاج مؤمن بالإنسان وبقدرته على تحرير ذاته وتحقيق وجوده، ولكن من المؤسف أن مفاهيم ماركس شوهت عبر العقود الماضية من الزمن، وها هو العالم الآن يعود إلى البحث عن ماركس وكتبه بعد أن عصفت بالعالم التحولات الاقتصادية المربكة في محاولة للبحث عن مفقود أو مقتبس نور.
وحسب ماركس فإن هذا الشكل الجديد للمجتمع غير المغرَب سيصبح فيه الإنسان مستقلا، سيقف على قدميه ولن يعود مشلولا بفضل أسلوب الإنتاج والاستهلاك المغرَب، أي أنه سيكون في الواقع سيد أفعاله، وبالتالي سيبدأ بجعل عمله حيا بدلا من أن ينتج وسائل عيشه، فعندما يبني الإنسان شكلا غير مغرب وعقلانيا للمجتمع فإنه سيملك الفرصة للبدء بتحقيق ما هو هدف الحياة، فحسب وجهة نظر ماركس قام الإنسان ـ وعبر التاريخ ـ بخلق ثقافة سوف يكون له الحرية بأن يجعلها ثقافته، عندما يتحرر من القيود، ليس فقط من قيود الفقر الاقتصادي بل من قيود الفقر الروحي التي ولدها الاغتراب، فرؤية ماركس مبنية على أساس إيمانه بالإنسان وبالطاقات الواقعية والمتأصلة بجوهره التي تطورت عبر التاريخ لتحقق هذا الجوهر بواسطة قهر اغترابه وهي تخلق أوضاعا لنشوء الإنسان المستقل الفعال، العقلاني والحر.
إن ماركس لم يكن ممكنا اعتباره عدوا للحرية، وليس في مفهومه أن هناك إنسانا يحارب حرية الآخرين على الأغلب، فكل نوع من الحرية وجد حتى الآن كان إما امتيازا خاصا، أو كحق عام. وهنا نجد أن ماركس لم يتخل عن فكرة الاغتراب بمعناه الإنساني، بل افترض أنه لا يمكن فصله عن التطور الحياتي الواقعي الملموس للفرد المغرَب. كما ينظر ماركس على أن الحقيقة الاجتماعية الوحيدة ليست هي الإنسان ولا الفرد بل في الطبقات الاقتصادية للبشر، بحيث إن الأفراد ودوافعهم لا يساوون شيئا، وهذا الوعي هو الذي يفسر التاريخ الماضي، الحاضر والمستقبل.
إن الإنسان اللامغرب والذي هدف ماركس إليه هو الإنسان الذي يكون حيا ومستجيبا للأشياء بشكل تصبح فيه الأشياء حية بالنسبة له.
ألا يعني كل هذا أن مفاهيم ماركس هي تحقيق للدوافع الدينية الأكثر عمقا السائدة في أديان الإنسانية؟ في الحقيقة إنها كذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ماركس وكثيرا من المفكرين أمثاله قد عبروا عن اهتمامهم بالجانب الروحي للإنسان، ليس في لغة دينية بل في لغة فلسفية.