لا شك أنَّ للمثقف دورًا مهمًا في نزع التطرف، وغالبًا لا يتم الاعتماد على هذا الدور بشكل كبير في الحالة السعودية، نظرًا لأنه تم اغتيال المثقف السعودي معنويًا أمام مجتمعه، والذي يرى في المثقف حالة مضادة للدين والعادات والتقاليد، وأن دوره الأساس في ذهنية المتلقي السعودي متمثل في تغيير هوية المجتمع وتغريبها، وهو الأمر الذي نجح في إشاعته المتطرف أيًا كان نوعه:

حركي تنظيمي، أو تياري منتمٍ للتيار لا التنظيم، أو متدين عادي، وذلك لتمكنهم من المصادر والمنابع المباشرة التي تصب في وعي وعقل هذا المتلقي، وبالتالي التمكن من صوغ رأيه وذهنيته.

والأمر المؤسف أنه -وحتى هذه اللحظة- لم تستطع كل الجهود الحضارية المتقدمة التي تجري على قدم وساق في البلاد من رد الاعتبار للمثقف غير الديني، وإعادة هيبته وهيبة ما يحمل من فكر وعلم، وتعديل صورته النمطية في المشهد السعودي، رغم تمكن هذا المثقف بدوره من مجموعة من المؤثرات على الوعي والتي يستطيع من خلالها تعديل الصورة الذهنية عنه، وربما يعود هذا الأمر لعوامل عدة، من أهمها:


تقاعس المثقف نفسه وتكاسله، وكذلك عدم اهتمام المسؤول بدور المثقف في مواجهة التطرف إلا قليلاً، مقابل التركيز على دور المؤسسة الدينية، والشرعيين في مواجهة التطرف، إضافة إلى أن المقالات والدراسات والأبحاث ما زالت منصبة على الأبعاد السياسية والأمنية والدينية في مواجهة التطرف وجماعاته، متناسية البعد الثقافي، على الرغم مما له من أثر على الأمد البعيد، مقابل ما يركز عليه حاليًا والذي يعطي حلولًا على أمد قصير ومتوسط، هذا مع أخذنا بعين الاعتبار أن المؤسسات الدينية الرسمية تقف عند حدود ردود الأفعال، والرد على بعض الفتاوى ومناقشة التسويغ الفقهي للتطرف، دون التعمق في دراسة الحالات، وإيجاد حلول نوعية لتفكيك بنية التطرف على الناحية المعرفية والتاريخية.

ومن فكرة: «أن البعد الفكري والثقافي يؤمنان معالجة ناجعة على الأمد الطويل»، آنفة الذكر، تكمن أهمية المثقف في مواجهة الأيديولوجيا الدينية المتطرفة. وأي ثقافة -بالمعنى العام للثقافة- تسعى نحو الحداثة والتحديث في مستويات الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعمران، لا بد أن تصنع لها سندًا ثقافيًا وأرضية فكرية قادرة على إنتاج آليات لمواجهة تمدد الثقافات الأخرى، والتي تفرض بعض التناقضات والالتباسات في تماسها مع المكون المحلي والذاتي، كما أنها تستطيع مد الثقافة المحلية بسبل مجابهة أي ثقافات سابقة داخلية دخيلة تحاول تغيير مساراتها وقيمها الرئيسة الحداثية -المبنية أصلًا على قيمها الأصيلة- وتحويلها إلى ثقافة ممسوخة تنطوي على قيم وأنماط سلوك تنتمي إلى أحادية غير منفتحة.

ودومًا ما نجد في الثقافات الإنسانية آليات داخل بنيتها تسمح لها بالدفاع عن مكوناتها الأساسية وطبيعتها المدنية إزاء محاولات حرفها عن مسارها الإنساني، أو فرض نمط مغاير للطبيعة البشرية، خصوصًا تلك الطبائع التي تروم إنتاج مجتمع فاضل، وتتجه نحو الطهورية والخلاص الإنساني من عبء الإثم المتوهم في غالبه، مضافًا إلى ذلك سلوكيات الزهد والتقشف، فالطبيعة الإنسانية طبيعة مرحة وفرحة ومحبة للجمال والكمال والبهاء في كل شيء، وهذا لا يعني بحال أن التطرف لا يداخل بعض مكونات ثقافة ما، وأنماط العيش والحياة اليومية السائدة فيها، بل يمكن للتطرف أن يسيطر على ثقافة بعينها، إلا أن لهذه الثقافة الكفاءة والحيوية والقدرة على تهميش التطرف، وإضعاف دوره في المجتمع، ويبرع عادة المثقف والمفكر والفيلسوف في الكشف عن هذه الكفاءة والحيوية والقدرة، وتصديرها للمشهد لتكون هي النمط السائد، كنمط انفتاح وفرح واستنشاقٍ للحياة.

وثمة أمر مهم وعامل حيوي في نماء المجتمعات، وتوسيع دائرة الحداثة والتحديث فيها، وهو أن المثقف وحده القادر على خلق توازنات بين مختلف القوى، بين البنية الصلبة للثقافة من جهة، وبين الأنماط الثقافية المتشددة في تدينها من جهة أخرى، لما لديه من إمكانية على قبول التعددية الثقافية والقابلية للتعددية بمختلف مفاهيمها وصورها، وحول هذا العامل تحديدًا، فغني عن القول أن الأهداف السياسية والأيديولوجية لجماعات الإسلام السياسي المنتجة الرئيسة للتطرف، ترمي إلى الهيمنة على المجتمع من خلال تغيير هذه الطبيعة التلقائية فيه باستخدام أشكال التطرف المختلفة؛ لتديينه وأسلمته وتغيير طبيعته الإنسانية إلى طبيعة دينية صرفة لا تقبل التعددية بأي سبيل كان، مما يؤدي بالأخير إلى تهميش فصائل مجتمعة مهمة وتحويل أفرادها إلى مواطنين هامشيين بلا أي ضمان أو أي أمان، وهيمنة نمط التطرف سيؤدي بالتالي إلى وأد أشكال الثقافة العامة في طبيعة الزي، والعادات، والفلكلور، والموروث الشعبي، والموسيقى، والغناء، وغيرها، وإحداث تعديلات وتحويلات في الهندسة الاجتماعية كما حدث سابقًا مع الصحوة.

وما زالت فلول الصحوة تحاول التمدد الناعم مجددًا من خلال بناء شبكات اجتماعية جديدة، أو من خلال قواعدها الصلبة المتوارية، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام ذلك في خلق حواضن اجتماعية مؤيدة ومتعاطفة مع هذا النمط الثقافي المتطرف الكاره للحياة، وتشكيل قواعد داعمة، أو قواعد طمأنة لأفرادها الكثر في مختلف جيوب المجتمع، وجهاته، ولا سبيل لمواجهة كل هذا إلا من خلال المثقف، الذي يعتبر موازيًا للصوت الصحوي القابع في شكل نمط تديني متطرف، فالدولة قامت بما يجب القيام به من خلال إنشاء المنظمات وسن الأنظمة والقوانين التي ضمنت الانفتاح على الحياة، وتوجه هذه الجهود: إنشاء هيئة الترفيه في 2016، ثم إنشاء رئاسة أمن الدولة في 2017، ثم إنشاء وزارة الثقافة في 2018.

وعلى المثقف أن يلعب دوره المناط به، ويؤدي واجبه في المساهمة ببناء أرضية فكرية ومعرفية وفلسفية لمشروع رؤية السعودية 2030، والتي جاءت كمشروع حضاري تنموي، أرسى مجموعة من النظم الفكرية العامة التي تحتاج إلى الكثير من الشرح والتدوير والتذكير بها، ونظرًا لعدم تمكن المثقف من القيام بدوره كما ينبغي، يقوم رائد الرؤية وأمير الحلم السعودي محمد بن سلمان بتولي هذا الأمر نيابة عن المثقف بين الفينة والأخرى، كأحاديثه المرئية أو المقروءة، والتي تؤكد على أهمية النهوض بالبعد الفكري الممهد للحلم الكبير: سعودية 2030.