ومما يتصل بفن الإنشاد نذكر أنه كان في العهد الهاشمي وما قبله ما يسمى بالترحيم والتذكير، وكان الذين يقومون بهذه المهمة هم المؤذنون، وكانوا يختارون من ذوي الأصوات الجميلة ولم يكن هناك الميكروفون، وإنما كان المؤذن يصعد إلى المنارة العالية فينطلق صوته في جوف الليل قائلا:

«يا أرحم الراحمين ارحمنا» وهذا هو الترحيم، فيوقظ النوام ليستعدوا لصلاة الفجر.

أما التذكير فهو كذلك نوع من الإنشاد الديني يحتوي على أسماء الله وصفاته العليا، يذكر بها الغافلين السادرين في دنياهم، وكان محل هذا الإنشاد هو قبل الفجر، ويكون التذكير على هذا الإنشاد أكثر في ليالي الجمع، والأعياد، والمناسبات الدينية، وما إليها.


والواقع أن ذكرياتي عن الترحيم والتذكير هي ذكريات بعيدة لأن العهد الهاشمي انتهى، وأنا في العاشرة من عمري، فلست أستطيع إيفاء الوصف حقه وإن كنت أذكر أنني أستيقظ من نومي قبل الفجر، وأنا أسمع المؤذن وهو ينادي يا أرحم الراحمين ارحمنا، وقد انتهى هذا الترحيم والتذكير بدخول العهد السعودي، واستعيض عنه بالأذان الأول للفجر الذي يتم قبل طلوع الفجر بساعة كاملة.

والواقع أن المؤذنين كما ذكرنا كانوا يختارون من ذوي الأصوات الجميلة والقوية، وكان منهم من يقتصر على الأذان، ومنهم من يمارس الغناء والإنشاد، وأذكر أن المرحوم الشيخ حسن لبني من مؤذني المسجد الحرام في مكة المكرمة كان من ذوي الأصوات القوية.

أما المسحراتي، فكانوا يسمونه في جدة «المسحر» -بضم الميم وفتح السين وفتح الحاء المشددة، وسكون الراء، -وهو اسم فاعل من السحور- وكان هذا المسحر يدور على البيوت في ليالي رمضان، ليوقظ النائمين لتناول طعام السحور، وبيده طبلة يضرب عليها وينادي سكان البيوت بأسمائهم فينادي على الذكور بأسمائهم قائلاً:

الشيخ حسن صبحك الله بالرضى والنعيم، حسين أفندي صبحك الله بالرضى والنعيم، وهكذا لا يترك اسمًا من الأسماء بما في ذلك الأطفال الذين يسرون ويطربون لسماع أسمائهم، وكان يقول:

«قوم يا نائم اكسب الغنائم، قوم أذكر الحي الدائم» وما إلى ذلك من أمثال هذه النداءات، وكان أشهر مسحراتي في جدة، ولعله كان مختصا بحارتي الشام والمظلوم اللتين كنت أسكنهما، هو المرحوم العم محرم، صاحب دكان في حارة المظلوم، يبيع السكر والشاي، كما كان يؤجر الكتب التي تحتوي على ألف ليلة وليلة، وقصة عنترة، وغيرها من القصص التي كان لها سوق رائج في تلك الأيام، والتي كان يتجمع الناس في البيوت كل ليلة للسمر عليها، ثم حل محلها الراديو فيما بعد.

وقد انتهى المسحراتي أو المسحر بعد إزالة السور وامتداد العمران إلى خارج المدينة وضواحيها، فاندثر العقد النظيم وتفرق شمل الجميع، فمن أين للمسحر أن يهتدي إلى هؤلاء الناس بعدما بعدت منازلهم في كل اتجاه؟.

1975*

* أديب ومؤرخ سعودي «1915 - 1996».