في يوم الجمعة الماضي، شارك ستة آلاف طالب وطالبة في الاحتفال السنوي للطلبة الخريجين في الولايات المتحدة الأميركية، وبيوم المهنة الذي يعد أكبر يوم مهنه يقام للخريجين السعوديين في أميركا. وقد كان هذا الحفل يشمل الدفعة الخامسة من برنامج ابتعاث خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – ومن المعروف أن قرار الابتعاث كان قرارا حكيما، هدفه الاستثمار في عقول الشباب الذين هم أمل الأمة في غد مشرق.

ولكن ماذا بعد العودة؟ هل هناك خطط أو استراتيجيات لمتابعة الخريجين والحرص على توظيفهم في مجال تخصصاتهم؟

مما لا شك فيه أن ابتعاث الشباب السعودي بهذه الأعداد الكبيرة التي تجاوزت المئة ألف، ما هو إلا نوع من الاستثمار المكلف والرائع للقوى البشرية العقلية في الوقت ذاته، لذا كان من الضروري المتابعة والتنسيق من قبل وزارة التعليم العالي وبقية الوزارات من حيث الاحتياج الوظيفي، مع دراسة مسبقة للمتطلبات التي تحقق الأهداف التنموية مستقبلا، فمثل هذه الحركة الناشطة تصب في شرايين الدولة، وتفتح مجالات وظيفية أقوى، خاصةً إذا تم دعمها بإحصائيات توضح احتياجات سوق العمل.

إن التنظيم العلمي والتقسيم الجيد للعمل كلٌ في تخصصه ومجاله؛ يسهم في زيادة كبيرة من الناحية الإنتاجية للمشروع الاقتصادي، وبالتالي ارتفاع في مستوى المعيشة.

نستطيع أن ننهض، العملية سهلة، وإمكاناتنا مذهلة، نحن فقط بحاجة إلى الأهداف والتخطيط والكفاح، وبث الأفكار العلمية والثقافية تحت ظل إدارات مستنيرة.

فمشروع الابتعاث بكل هذه الإمكانات، يجب أن يكون منسجما مع الاحتمالات القابلة للتحقيق على المستوى الفردي، مع فتح آفاق أوسع للحفاظ على المنجزات الإنتاجيه للمملكة وتحسينها وتطويرها، وذلك لا يتم سوى باستغلال كافة الموارد الطبيعيه والفكرية – في وطننا الغالي - على أكمل وجه، فإن احترام الإنسان وحياة الإنسان وعقل الإنسان وإبداعه، ووضعه في المكان المناسب لإمكاناته؛ يسهل في الارتقاء الحضاري المطلوب.

وقد رأينا نماذج طلابية مشرقه من الدفعات السابقة، ولمسنا نفوسا مليئة بالحماس، والاستعداد لخوض التحديات في مضمار سباق الأمم والحضارات، وحتما كانت لهم بصمه واضحة في تطوير البحث العلمي، ممـا جعلـنا نتلمس هذه النقلة الحضارية منذ بداية برنامج ابتعاث خادم الحرمين الشريفـين – حفظه الله – من المرحـلة الأولى وحتى الآن، ونحن في أعتاب التقديم للمرحلة الثامنة.

ولكن المؤسف أننا لو نظرنا في الجانب الآخر للإبداع، نجد بعضا من الشباب عادوا مستكبرين على عادات البلاد، مستنكرين أبسط الأشياء، متذمرين من الزي السعودي، والأكل السعودي بل حتى عادات الأكل والشرب، يوهمون أنفسهم أن التطور والحضارة تكمن في الانسلاخ من كل ما جاء في هذا البلد.. فنجدهم لا يأكلون سوى (بالشوكة والسكينة) ولا يرتدون إلا (الجينز)، يتضجرون من أفكار آبائهم التقليدية البسيطة، وتُفاجأ الأم المسكينة بابن غير ابنها، برجـل حلمت أن يكون يوما ما سندها وحلمها التي انتظرت عودته بفارغ الصبر، ولكنها الآن لا تجد سوى ابن يسخر منها ومن طريقتها في الحياة.

مثل هؤلاء الشباب يحتاجون لوعي مكثف مضاعف يبين لهم المفاهيم المغلوطة عن التطور والانفتاح.

ولعلنا نستطيع أن نتفهم بأن هناك فرقا في استيعاب الحضارة نفسها، فلكي يتم استيعاب المبتعث للاختلاف الحضاري العالمي، يجب عليه أن يكون جاهزا فكريا ونفسيا لهذا، وإلا حدث انفصام في الشخصية، وبالتالي تتعمق الأزمة الحضاريه لديه، ثم يحدث ما تحدثت عنه آنفاً.

لذا أرى أنه من الضروري عمل دورات فكريه قبل الابتعاث، تزرع لدى المبتعث الثقة في تكوينه الحضاري، وفي كيفية تلقي الحضارة الأخرى واستيعاب المختلف منها وتمحيصه.

نستطيع أن ننهض، نعم نستطيع أن ننهض بالعلم والفكر الصحيح بكل طاقم المجتمع وإداراته.