عقد قبل أيام في مدينة الباحة منتدى الباحة للاستثمار تحت رعاية أمير منطقة الباحة الأمير مشاري بن سعود حفظه الله، وبمشاركة جمع من المسؤولين الحكوميين وخبراء ومتخصصين في الاستثمار والسياحة، إضافة إلى مشاركة مجموعة من رجال الأعمال والإعلام السعوديين، وعلى رأسهم أبناء منطقة الباحة الكرام من أساتذة جامعيين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وغيرهم، المنتشرين في أرجاء مدن ومناطق المملكة، ويعملون في خدمة البلاد والعباد، وقد خرج المنتدى بنتيجة طبيعية بأن الباحة تمثل واحة خضراء، أراضٍ وجبال زراعية ومياه جوفية، وطاقات بشرية، باحة عذراء تنتظر الاستثمار، استثمار زراعي وسياحي وصناعي. وحتى تنتقل الباحة من الوضع الحالي إلى القرن الحادي والعشرين، ومن محدودية الاستثمارات وقلة المساحات المستغلة إلى تدفق وتنوع استثمارات نوعية زراعية وسياحية وصناعية، ومن هجرة أبناء وبنات المنطقة خارج الباحة إلى العودة مجدداً لخدمة الباحة ومستقبل الباحة، ينبغي العمل على عدة محاور استراتيجية وتنظيمية وتشريعية وتنفيذية، مع الاستفادة من تجارب المدن الأخرى السابقة.
الباحة ليست الأولى في دخول تجربة التطوير، فقد سبقتها مدن الرياض وجدة وحائل وجيزان وأبها، وإن كانت تختلف هذه المدن في مدة وحجم التجربة. فعلى سبيل المثال، تمتد تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض لأكثر من (30) سنة، نجحت فيها الهيئة بتحقيق العديد من المنجزات يأتي في مقدمتها إنشاء الحي الدبلوماسي وبإدارة احترافية وتكامل عملي يماثل المدن العالمية النموذجية، وإسكان وزارة الخارجية، والطريق الدائري لمدينة الرياض، ووادي حنيفة، وما زال هناك الكثير مما يمكن تعلمه من تجربة الهيئة العليا لمدينة الرياض، دروس مستفادة، سواءً إيجابية أو حتى سلبية، وهو ما ينطبق أيضاً على تجارب المدن الأخرى، مع وجود فروقات شاسعة بينها وبين تجربة الرياض في عمق وطول التجربة، وهذا ما تحتاجه الباحة وأي منطقة أخرى من مناطق ومدن المملكة الغالية على قلوبنا، لنبدأ من حيث ما انتهى إليه الآخرون، ولنتعلم ونستمع لهم، بل ونطلب مشاركتهم، لم لا؟
قامت بعض المدن بإنشاء شركات حكومية لتطوير مدنها، على افتراض مشاركة ومساهمة رجال الأعمال في تمويل هذه الشركات، ويبدو أن هذا النموذج لم يجد النجاح المطلوب لعد أسباب، من أهمها تردد رجال الأعمال في التمويل وتقديم سيولة مالية دون وجود عائد مالي واضح ومتفق عليه (عقود حكومية موثقة)، ليبقى النموذج الأفضل، وهو إنشاء هيئة عليا للتطوير، وهو ما ينبغي لمنطقة الباحة أن تبدأ به الخطوة الأولى.
وقد يكون من السهل تنظيمياً إنشاء هيئة عليا للتطوير، ولكن الصعوبة تكمن في تطوير خطة استراتيجية وتنفيذية متكاملة، تقوم على وضع أهداف استراتيجية وبرامج تنفيذية ومشاريع وميزانية متوقعة وجدول زمني ومؤشرات أداء، خطة تحدد الوضع الراهن والوضع المأمول خلال (3) سنوات مثلاً، على أن يتم تحديد المنجزات الفعلية كنسب، وكل هذا ضمن إدارة احترافية تقوم على الإدارة بالأهداف مع إدارة المخاطر أولاً بأول.
تمتلك الباحة مزايا نسبية يطلبها وينشدها أي مستثمر، أراض مناسبة للزراعة، مناطق وغابات ومرتفعات مناسبة للسياحة، ومنتجات قابلة للتصنيع، إضافة إلى وجود أسواق استهلاكية قريبة. ولعل من أهم المزايا النسبية ما قامت به الدولة حفظها الله من دعم الاستثمارات في مناطق المملكة، من خلال توفير تمويل يصل إلى (75%) من إجمالي الاستثمارات المطلوبة لمشروع ما، مع فترة سداد تصل إلى (20) سنة، وهو دعم غير مستغرب من الدولة، دعم يأتي لتحقيق توازن في التنمية الاقتصادية بين مناطق المملكة.
ومما يساعد في تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة ويدعم جلب وخلق الاستثمارات والتنمية الاقتصادية في مناطق مثل الباحة؛ ما قامت به وزارة التعليم العالي من إنشاء جامعات حكومية وصلت إلى أكثر من (25) جامعة حكومية، وهي قابلة للزيادة، أحدها جامعة الباحة، وهو مشروع يتعدى كونه مشروعاً تعليمياً إلى كونه مشروعاً تنموياً، مشروعاً يساعد في خلق صناعات جانبية، تصل إلى أكثر من (4) صناعات، منها صناعة المقاولات المحلية داخل منطقة الباحة، صناعة أعمال التشغيل والصناعة، وصناعة التمويل الغذائي، وتعزيز صناعة تطوير وإيجار وتملك العقارات، على أقل التقديرات. كما أن من أهم ما يمكن أن تساهم به جامعة الباحة، وهذا يسري على جامعات المناطق الأخرى، العمل على إعادة بعض من أبناء وبنات الباحة المثقفين والمؤهلين علمياً وعملياً، ما بين أساتذة جامعيين وأطباء ومهندسين ومتخصصين، للعمل داخل منظومة جامعة الباحة ومؤسسات الباحة الحكومية الأخرى.
وكما أن هناك مزايا نسبية لجلب الاستثمارات، فينبغي أيضاً الحذر من التنازل السريع عن أراضي الدولة مهما كانت المغريات. فإذا ما كان هناك مشروع ما، فيمكن تخصيص أراضي معينة ولمدة معينة، مع بقاء ملكية الأرض للدولة، فقيمة الأرض قيمة مستدامة ولا يمكن تعويضها بأي قيمة، وخصوصاً تلك النوعية من الأراضي التي يمكن تصنيفها بأنها ذات قيمة جغرافية وزمنية عالية، أو من الصعب تعويضها.
هناك الكثير مما يمكن عمله في الباحة العذراء، ولكن يجب العمل على خطة شاملة وليست مؤقتة، مع الاطلاع على تجارب الآخرين ودراستها والتعلم منها.