أُشْرِبْنا منذ صغرنا أن الامتحان الذي تعرض له أحمد بن حنبل ورهط معه في القول بأن القرآن مخلوق محدث، وهي الواقعة التاريخية التي تعرف بـ«محنة القول بخلق القرآن»، على أنها لحظة فارقة بين ثبات الإسلام وزواله، إلى درجة أن ثمة مقولة كنا نتداولها في مكان الدرس والمسجد والمدرسة:«إن الله حفظ الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم برجلين: بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة».

مع ذلك، كان ثمة سؤال يشبه الأسئلة الوجودية، كان يدور في أذهاننا حينها، ولم نكن نجرؤ على البوح به لمشايخنا، هذا السؤال هو: هل تستحق مسألة بسيطة، ولا أثر لها على إيمان المسلم العادي، فضلا عن عدم تأثيرها على السلم المجتمعي، دع عنك أنها ليست من أصول العقائد ولا من فروعها، وأنها لم تطرح خلال زمن النبوة والراشدين، ومعظم زمن الأمويين، أن تقام لها تلك المحاكمات التفتيشية، وأن يُعذب من لا يقرون بها تلك العذابات الشديدة؛ وأكثر من ذلك، كيف جندت الدولة إمكاناتها وحشدت الفقهاء والمتكلمين، ومن لهم صلة بها لحمل الناس على القول بخلق القرآن.

إن هذا لا يتفق وطبائع العمران، بلغة ابن خلدون.

إلا أن أبحاثاً معاصرة حللت المحنة من زوايا أخرى، زوايا كانت معتمة لم تُطرق من قبل، إما لعدم التنبه لها، وإما لأنها كانت من غير المفكر فيه، وهو الأقرب.

من ضمن تلك الأبحاث ما سطره الباحث الأردني الدكتور«فهمي جدعان» في كتابه (المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام)، والذي تطرق فيه إلى علاقة تلك المحنة بالظروف والسياقات السياسية حينها؛ فتوصل في جملة بحثه إلى أن المحنة لم تكن محض علاقات عقدية، بقدر ما هي ذات صلة بإيديولوجيا سياسية معينة.

ثم جاء المرحوم الدكتور «محمد عابد الجابري» ببحث آخر يؤصل للإيديولوجيا السياسية التي كانت بمثابة عود الثقاب الذي كان يقدح زناد المحنة، وذلك في كتابه (المثقفون في الحضارة العربية – محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد)، وفيه يصل إلى أن تلك المحنة لم تكن مسألة قناعات فكرية دينية، أراد المأمون فرضها على الناس، كما لم تكن قضية التحريض الذي يقال إن المعتزلة مارسوه على المأمون، بعد أن استمالوه إليهم، لفرض مذهبهم، الذي من جملة مسائله الفرعية مسألة «خلق القرآن».

ويصف الجابري في ثنايا الكتاب إيديولوجيا خلق القرآن، بالنسبة للمأمون ومن بعده المعتصم والواثق، بأنها كانت قضية الدولة ككل. وبعبارة عصرنا، والكلام للجابري: قضية «أمن الدولة». يتجلى ذلك واضحا، كما يقول، من الأهمية القصوى التي أعطاها المأمون لهذه المسألة في وصيته وهو على فراش الموت، إلى أخيه وخلفه (المعتصم).

خلاصة ما ذهب إليه الجابري في تحليله قصد الدولة العباسية من فرض قضية خلق القرآن، أن القول بـ«خلق القرآن» كان يمثل شعار الدولة العباسية حينها، مقابل الشعار الذي كان يراد به إحياء ذكرى الأمويين، وهو القول بأن «القرآن منزل».

وهكذا، فلم تكن المسألة، كما يرى الجابري وجدعان من زاوية أخرى، تجنيد إمكانيات الدولة لمجرد فرض مسألة فرعية من ضمن فروع أحد أصول المعتزلة، إذ لا يمكن لطبائع العمران أن تقبلها على هيئتها هكذا، وإنما يثوي خلفها إيديولوجيا سياسية مهمة ومصيرية، كانت تتماس، كما قال الجابري، مع «أمن الدولة».

وبغض النظر عن صدق تحليل الجابري من عدمه، فلا يمكن القبول المنطقي بأن يجند ثلاثة خلفاء من خلفاء الدولة العباسية جهودهم، وجهود الدولة لفرض مسألة هامشية كمسألة «خلق القرآن»، إلا إذا كان يثوي خلفها أمر عظيم.