لماذا استطاع أحمد شفيق أن يحقق كل هذه النسبة التي تؤهله لأن يكون المرشح الثاني في انتخابات الإعادة؟ ما الذي جعل الشارع المصري الآن يعيد نفسه إلى الخيارين الأصعب: إما الإخوان وإما الفلول؟

في الواقع، إن فوز محمد مرسي يكاد يكون مفهوما للغاية، لأنه آت من جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة الأكثر تنظيما وقوة وتجربة واكتساحا في الانتخابات البرلمانية، والجماعة الأكثر قدرة على رص الصفوف والتأثير في الناخبين واستمالتهم عبر رفع الشعارات الدينية التي تحظى بقبول واسع في مجتمع متدين كالمجتمع المصري، إضافة إلى القاعدة الشعبية للإخوان والتي اتسعت بعد سقوط النظام وظهرت آثارها واضحة في الانتخابات البرلمانية.

أصيب الإخوان بنوع من الغرور السياسي بعد فوزهم في الانتخابات البرلمانية، وجازفوا على إثر ذلك بعلاقتهم مع الشعب المصري، الذي استطاع أن يقبل صورة الإخوان مراقبا وحاميا لتطلعاته للعدالة والحرية، لكن بعد أن خالف الإخوان كثيرا من وعودهم على رأسها الوعد بعدم الترشح للرئاسة أخذ الشارع المصري يغير مواقفه من فكرة القبول المطلق للإخوان، وبات يرى فيهم نوعا من الخديعة السياسية التي استخدمته كورقة لتحقيق أرباحها. جاء ذلك ليستدعي نظرة الشارع المصري إلى موقف الإخوان من الثورة، فلقد كانت ذكريات سيئة للغاية، فإذا كان أحمد شفيق آخر وزراء النظام السابق، فالإخوان آخر القوى التي ظلت تسعى للتفاوض مع النظام السابق، وإلى يوم الثامن عشر من يناير، أي قبل سقوط النظام بأسبوع واحد كان الإخوان المسلمون أقل حدة في خطابهم تجاه النظام وأكثر قبولا للتفاوض والمداولات.

ربما، فوز الإخوان في تونس قد أغرى إخوان مصر بأن المرحلة القادمة فيما بعد الثورات العربية ستكون مرحلة إخوانية بامتياز، لكنهم لم يتنبهوا إلى حجم الاختلاف بين التجربتين ولا إلى المصداقية الثابتة التي تحظى بها حركة النهضة في تونس مقابل المصداقية المتذبذبة التي باتت عليها صورة الإخوان في الشارع المصري. يقول مهدي عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان: من الواضح أن الجماعة خسرت كثيرا من قاعدتها الجماهيرية.

ظن بعض المعلقين أن ترشح أحمد شفيق للانتخابات سيجعل من الإخوان الخيار الأمثل للناخب المصري، لكن ما فعلته الثمانية عشر شهرا التي أعقبت سقوط النظام إلى الآن جعل من الأمن والاستقرار أول المطالب وأبرزها لدى المصريين، لتلعب الأدوات الثقافية الاجتماعية دورا محوريا يتمثل في اتجاه الشارع إلى ما هو مألوف على حساب ما هو مجهول، خاصة أن المصريين يؤمنون الآن بقوتهم في الميدان وفي الشارع وأن أي رئيس جديد سيفكر في الامتثال لمطالب الشارع أولا.

لكن المشكلة في حال الإخوان أن يكون للرئيس مرجعية أخرى غير الشارع تتمثل في مرشد الجماعة. لقد أخطأت الوسائل الإعلامية التابعة للإخوان طيلة الأشهر الماضية حين أرادت أن تزايد على القضايا الدينية في الشارع وامتلأت فضائياتها بنقاشات حول الحجاب ومصير السياحة والموقف من الفن والدراما، إضافة إلى عدم القدرة على الفصل بين الحزب وبين الجماعة. ولقد أبلت الجماعة بلاء حسنا في تأديب عبد المنعم أبو الفتوح الذي راهن عليه الشارع المصري لسبب يسير هو أنه خرج من ربقة الجماعة ومن بيعتها وقام بترشيح نفسه مفردا، وهذا أحد المواقف التي صنعت انطباعا عاما في الشارع المصري بأن الإخوان يحتكمون للجماعة ولمرشدها أكثر من احتكامهم لمصر، مع أن أبو الفتوح يتمتع بكثير من المزايا التي يفتقد محمد مرسي للكثير منها. يقول أحد المعلقين: سحنة محمد مرسي تجعله صالحا لأن يكون محاضرا في جامعة أو أمين مكتبة، لكنه لا يحمل أيا من صفات الرئاسة.

حمدين صباحي حقق نتائج إيجابية مع أنه ينطلق من حزب باتت معطياته أقرب إلى الإيديولجيا؛ فالناصرية الاشتراكية والتي تراجعت طوال السنوات الماضية وأصبحت حكرا على العجزة من رواد مقاهي الحسين والسيدة انتهت تماما بعد الثورات العربية التي وضعت الناصرية في مصاف حركات التغيير التي لم تستطع أن تقدم شيئا، وهو ما يشير إلى أن الأصوات التي حققها صباحي كانت نوعا من الهرب الذي مارسه الناخب المصري من الخيارين الأصعب: الإخوان أو الفلول.

اليوم سيتم الإعلان النهائي، وقد قدم كل المرشحين الخمسة طعونا إلى لجنة الانتخابات، وفي الغالب ستكون جولة الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق، وفرص الأخير بالفوز ليست قليلة.

المشكلة أن الشارع المصري يتعامل مع فكرة الرئيس القادم على أنه الرئيس الدائم، وهي إحدى العلل النفسية التي تعصف باختيارات المرشحين، فمن المهم جدا أن يستوعب الشارع المصري أنها ليست سوى أربع سنوات وهي التي تمثل الفترة الانتقالية الحقيقية، وبالتالي فوصول شفيق إلى الرئاسة قد يكون أقرب الخيارات للواقعية السياسية والاجتماعية المصرية.