تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي هذه الفترة مقاطع وفيديوهات تعبر عن حالة المجتمع بشكل عام، ولا تغفل هذه المقاطع أيضا عن نشر رد فعل المجتمع تجاه تمكين المرأة السعودية، وتجاه توطين بعض المهن لصالحها، لتظهر لنا هذه الفيديوهات، كمية معاناة (المرأة السعودية) تحديدا، أولها وجود فكر مفخخ لا يخشى الأنظمة ولا القوانين للتعبير عما يحمله من كراهية وعداء، وما لا يستطيع كظمه من تنكيل وتهديد، سواء بالقتل أو بالحبس أو غيرها من الأساليب الجاهلية، التي تعتبر امتدادا لـ(وأد البنات)، خاصة حينما يتعلق الأمر بـ(المرأة السعودية) التي دائما ما تعامل على أنها ليست كإحدى النساء.

هذا الفكر تبرمج على قاعدة (أيتها المرأة السعودية لا تكوني موظفة، وكوني عالة، وإلا أنهيت حياتك بإبرة)، كما حدث مع مضيفة الطيران السعودية في حوارها مع المتفخخ فكريا بالإرهاب والكراهية.

نعم هكذا تهديد بالقتل علنا في مكان عام أمام المجتمع وأمام المسؤول، وما المسؤول حينها بأجهل من المتسبب الذي أوصل هذه العقول للهاوية، ولهذا المستوى من التفكير، لتوجد بيننا فئة لا تجيد التفريق بين مفتي الدين وبين «مفتي العادات»، الذي وجد في الأضواء والشهرة والترند الكم الوافر مما يروي عطشه، وأتباعه وجدوا فيما يردد الشيء الكثير مما يعزز سلطتهم وتجبرهم ودوامهم الأبدي كما يعتقدون، دوامهم المهدد دائما وأبدا، فهذا يسقي ذاك، وذاك ينبت في المجتمع ويتكاثر في كل بيت كشجرة شوكٍ سامة يحذر منها الاقتراب.


هذه الشجرة التي نمت على تربة ممسكة بائرة كطفرةٍ جينيةٍ مشوّهة لا تنفع، بعد أن أدمت وقتلت بسميتها وشوكها الحاد، أن تستهلك بعد اليوم الماء والهواء، وهي فيما مضى كانت لا تبالي من نشر شرها وشَرَكها في اصطياد الأبرياء. واليوم بعد أن ازدادت سميتها وحدة شوكها أكثر مما سبق، لم يعد ينفع معها إلا اقتلاعها بجذورها وحرقها ثم ترميدها، أما إذا استمرت بنشر سمومها وفرض فكرها الحاد، فلا ينفع لضبطها قانون واحد، بل يجب أن يوضع لمواجهتها عدد من القوانين البيئية والفكرية والاجتماعية والصحية والتعليمية، حتى تنقرض بسلام.

لا تغيير التربة ولا الهواء ولا الماء بقادر على تغيير ما أفسده الدهر وأضر بالبشر، ربما الهندسة الوراثية تستطيع فعل ذلك بالشجر مستقبلًا، وربما يعتبر إيجاد هيئة مسؤوليتها الأولى إنتاج سلالات لا تنبت أشواكًا ولا تكنز في أحشائها سميات مغلفة باسم الفتوى، كانت هي المحرض والذراع الرئيس الذي يزرع أشجارًا اقتلعت البيوت، وشتت الأسر، وهددت بالقتل، وتواطأت للشروع به في بعض الأحيان.

تمكين المرأة السعودية من أعظم المشاريع التي قامت بها المملكة، ويستدعي نجاحه إيجاد قانون يجرم من يعتبر أن هذا المشروع قابل لإبداء الرأي فيه، سواء في الأماكن العامة أو برامج التواصل أو مساحات النقاش، وأنه نوع من ممارسة الوصايا في وظيفتها ومالها، ونوع من عدم احترام استقلاليتها المالية، وتجاوز منفلت يستدعي الضبط، وأن وجود مثل هذه الأصوات التي ليس لها دور إلا شحن الجو العام بالحقد والكراهية والمزيد من التفتيت، هو الهادم الحقيقي لاستقرار الأسرة.