بادرت «هيئة تقويم التعليم والتدريب» مؤخرًا بتنفيذ برنامج الاختبارات الوطنية «نافس» بهدف تقييم مستوى جودة التعليم لتحسين مخرجاته بما يناسبها في الدول المتقدمة، ويدفع نحو تحصيل مراتب متقدمة في الاختبارات الدولية، التي تقيس مستوى تحصيل الطلاب/ات في التعليم العام لمقررات؛ القراءة والكتابة، والرياضيات والعلوم، إضافة لقياس مدى نجاح تعليم المقررات في تمكين الطلاب/ات من توظيف قدراتهم ومهاراتهم في معالجة المشاكل الحياتية، باستخدام أساليب الربط والتحليل والتفكير في إيجاد الحلول المناسبة لما يتعرضون له من تحديات في الحياة العامة.
اعتمدت منهجية «الاختبارات» في محتواها المعرفي لقياس مستوى جودة التعليم، على المنهجية الدولية المعتمدة في قياس قدرات الطلاب/ات ومهاراتهم في الاختبارات الدولية TIMSS «تايمز» للعلوم والرياضيات، و PIRLS «بيرلز» للقراءة والكتابة، و PISA «بيزا» لقياس وتقييم قدرة الطالب/ة على توظيف المعرفة في المواقف الحياتية اليومية وتقييم قدرتهم على التعلم مدى الحياة، وذلك بعد ملاحظة ومتابعة نتائج الطلاب/ات الذين شاركوا في تلك الاختبارات، والتي عكست مستوى التحصيل المعرفي لديهم، ووضعت النقاط على الحروف في رصد جوانب ضعف مخرجاتنا التعليمية. كانت نتائج طلابنا/ت في تلك الاختبارات الدولية لسنوات مضت (بدأت منذ العام 2003، باختبارات «التايمز» التي تزامنت مع مرحلة تطوير التعليم حتى 2019) غير مرضية على الإطلاق ولا تناسب ما يُبذل من نفقات لتطوير التعليم وتحسين جودته، وكان السبب الأساس في تلك النتائج المتدنية، هو العشوائية والارتجالية المتبعة في عملية التطوير، والتي كانت بعيدة تمامًا عن الأخذ بأساسيات التطوير المطلوب اعتمادها لتجويد مخرجات التعليم. اعتمدت المنهجية المتبعة -مسبقًا- في التهيئة الوطنية لطلابنا/ت في تلك المقررات التي يتم قياسها دوليًا، على تهيئة سريعة وقتية تسبق موعد الاختبار الدولي، وذلك عبر توفير بنك تنشر أسئلته ليكون نموذجًا تستعين به العينات المشاركة في الاختبارات الدولية، أو بإجراء اختبارات تجريبية، وتلك أساليب غير مجدية على الإطلاق، وقد أكدتها النتائج، لعدم فاعليتها وضعف تأثيرها.
إجراء «اختبارات وطنية» سنوية أو دورية منتظمة، لقياس مستوى جودة العملية التعليمية في تلك المقررات تحديدًا، يمثل القاعدة المفروض انتهاجها استعدادًا لعملية القياس الدولي، وعلى ضوء نتائجها تُعتمد المنهجية التصحيحية في تقويم الأداء وتحسين المخرجات، والتي يفترض أن تُجرى بشفافية ونزاهة ومصداقية مهنية تامة، لتُمكِّن من تحصيل نتائج واقعية تساعدنا على معالجة ما نواجه من ثغرات في تعليمنا، وبما يسهم في تجويده.
مبادرة «هيئة تقويم التعليم والتدريب» في إعداد وتنفيذ برنامج «نافس»، عبر دليلها المعتمد، وبما تضمنه من محتوى معرفي مدروس وما اهتمت به من تفاصيل في عملية القياس لشرائح تشمل جميع المدارس بالتعليم العام، للمرحلة الابتدائية، ولنهاية المتوسطة، وبما حددته من صفوف مختارة تمثل مستوى المراحل المستهدف قياسها، يُعد إنجازًا تطويريًا جديرًا بالتقدير والإشادة، وهو من الجهود المحمودة التي تحُسب «للهيئة» في مساعيها وجهودها في إطار مسؤولياتها نحو «تقويم التعليم والتدريب» وبما يهيئ لبناء كفاءات علمية وتعزيز قدرات ومهارات وطنية تنافس على المستوى الدولي.
تضمنت المبادرة استدراكًا جوهريًا يتعلق بأهمية التشارك في تحسين المخرجات والتعاون بالمساهمة في تقويمها، بمشاركة «ولي الأمر» و«مدير المدرسة» وطرفي العملية التعليمية الأساسيين «الطالب، المعلم»، عبر استبانات تستقصي آراءهم وتهتم بتعاونهم في تحسين نواتج التعلم، بما تضمنته من نماذج توضيحية لمحتوى الاختبارات للاستعداد لها، وعليه يستطيع أولياء الأمور وإدارة المدرسة معرفة التقييم الحقيقي للمدرسة بين غيرها من المدارس وفق آلية ملحقة بالمبادرة.
يشار إلى أن إجراء تلك الاختبارات الوطنية وتنفيذها على جميع المدارس في المملكة من العام والخاص، باستخدام عينات عشوائية من الصفوف المختارة للفصول المستهدفة في تلك المراحل؛ سيحقق نقلة نوعية في عملية تقويم وتحسين مخرجات التعلم المستهدفة، لأن تلك «الاختبارات الوطنية» تستهدف تقويم جميع الطلاب/ات، وليس «الموهوبين» فقط، الذين يتلقون تدريبًا خاصًا ومكثفًا من «موهبة» قبل مشاركتهم في الاختبارات الدولية، وفق عملية منظمة وبرنامج تأهيلي عالي المستوى، وبذلك فإن تلك الاختبارات بمثابة كشاف علمي يرصد الثغرات الحقيقية ليعالجها بالتقويم المدروس بناء على النتائج المتحصلة.
قيام «هيئة تقويم التعليم والتدريب» بمسؤولياتها في تحسين أداء العملية التعليمية بتقويمها المستمر؛ يؤكد إدراك «الهيئة» لأهمية التدخل المبكر من المراحل الأولية لرحلة الطلبة التعليمية، لقياس وتقويم مستوى التمكن من المعارف والمهارات الأساسية، وبما ينبغي تحقيقه في تلك المرحلة، وعليه تُبنى البرامج العلاجية المناسبة سواء من المناهج والمدرسة أو من ولي الأمر أو من كليهما معًا. جودة التعليم وتحسين مخرجاته؛ كفيلة بتعزيز اكتساب المهارات الحياتية المطلوبة، وما يحتاجه سوق العمل من قدرات ومهارات.
جودة التعليم وتحسين مخرجاته؛ كفيلة بتعزيز اكتساب المهارات الحياتية المطلوبة، وما يحتاجه سوق العمل من قدرات ومهارات، تُسهم في تحسين جودة الحياة وفي إتاحة الفرص الوظيفية وتعدد الخيارات الواعدة، إذ إن جودة العطاء ترتبط بجودة البناء والتأسيس، وجودة التعليم هي القاعدة المتينة التي ترتكز عليها قوة ومتانة سوق العمل، وبها تتقدم الدول وتنافس في الميدان الدولي.
تضمنت كلمة وزير التعليم في ورشة عمل قيادات التعليم العام، للاستعداد للاختبارات الدولية TIMSS، في 20 يناير 2019، عبارات جوهرية محفزة نحو الارتقاء بجودة التعليم، والدفع نحو تقصي الشفافية في نتائجه، حيث قال: لا بد أن نعرف أين نحن وأين نقف وأين سنتجه وأين سينتهي بنا المطاف؟، وأضاف: نحتاج لخطة عمل حقيقية وواضحة، لا تنظير فيها ولا إستراتيجيات تُغرقنا في دوامات كبيرة، وأكد: يجب ألا نخجل من ضعفنا أو نخفيه ونتجاهله، بل لا بد من الاعتراف به ومواجهته وإيجاد الحلول له.