كنتُ ولا أزال أتتبع كل ما يحتويه مصطلح المراجعات سواءً كانت مراجعات فردية، أم جماعية، أو حزبية أو نقابية ذات طابع عام أو خاص. والمراجعات في فلسفتها وماهيتها تُجسد توقفًا لحظيًا، وإعطاء النفس الإنسانية فسحةً ونظرة تأمل فيما مضى من اعتقادات وتصورات، ووضع تلك التصورات والرؤى تحت المجهر النقدي للفحص والرقابة، والنظر في مدى توافقها مع الأصول التي تتبعها تلك النفس والروح الإنسانية مُريدة المراجعات، وإدخال أي تعديلات تتطلبها دراسة الحالة النقدية لكل تلك التصورات والرؤى والاعتقادات التي كانت في لحظة ماضوية قد تمسكت بها الذات الإنسانية، وأسست عليها بناءً عقديًا صادرًا من صميم الحدود العقلية التي وصلت إليها في تلك المرحلة.

وهذا المصطلح وما يحتويه من مباحث وموضوعات تهم المجتمع المعاصر أجمع، وأقصد المجتمع المعاصر كله بمؤسساته العلمية والأكاديمية والأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، وهو مصطلح مؤسس ومؤكد لكل الدراسات والنظرات المستقبلية التي تستشرف طرق ومسارات فتح الرؤى والتصورات إذا ما تم التعامل معه، وما يحتويه من موضوعات وأفكار بكل شمولية وجمع لكل مساراته الفكرية والعقدية بكل حذر وحرص دائمين، لأن أي خطأ في خطوات المراجعات التاريخية يعني أن كل ما تم بناؤه على تلك المراجعات سوف ينقلب بشكل حاد ومؤلم ويدمر كل عمل تأسس على تلك المراجعات. وخطورة المراجعات أنها نابعة من محيط لا يملك حقيقته ويعلم صدقه من كذبه إلا المنشئ الأول لها، وهذا الملحظ فيما وجدته من استقراء هو مدرَكٌ مغفول عنه ويستتر عن كثير ممن يبتهج بتلك المراجعات.

لذلك فإن غير ذلك المحيط ممن يرقب ويتأمل محيط تلك المراجعات وأصحابها يتوجب عليه أن يُقرر بعد التمحيص والتحقيق في مدى مصداقية تلك المراجعات من عدمها. وهذا القرار والتحقيق في حالات المراجعات من أخطر وأصعب القرارات التي يتم اتخاذها إما بقبولها والتأسيس عليها وبناء المجتمعات، على أن تلك المراجعات كانت تحمل في طياتها الصدق والإخلاص واليقين بأن ما كان قبلها من رؤى وتصورات واعتقادات، كانت فاسدة في قبولها واعتبارها وتكوينها وتكييفها، وأنها مصادمة للحقائق وجالبة للشر والدمار، وأن المراجعات أثبتت لتلك الفئة أن ما كانت تتصوره وتعتقده كان منافيًا ومصادمًا ليقينيات الأصول التي يُرجع إليها. ومن الإشكاليات في قبول المراجعات أن أصحابها يعودون لقيادة المجتمعات والتأثير فيها فكريًا وعقائديًا، بعد أن كانوا مرتكبين لجرائم مادية، جرائم تُهدد الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي وقد تمت محاكمتهم، وهذا يظهر في المراجعات التي صدرت وأعلنت عنها كبرى الجماعات الإسلامية في مصر وهي الجماعة الإسلامية المصرية، حيث أصدرت مبادرتها لوقف العنف سنة 1995 ومراجعاتها للفكر المؤسس لها بدءًا من عام 1997 والمستمرة حتى الآن. وفي نهايات 2007 أعلن منظر السلفية الجهادية وأمير الجهاد المصري السابق الدكتور فضل وثيقته (ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم)، ثم أتى عام 2009 حاملا مراجعات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي جاءت فيما يُزعم أنها دراسات تصحيحية في فكر الجهاد. بيد أن كل تلك المرجعات ذابت واضمحلت وتلاشت مع حالة السكر العنيفة والتي صحبتها حالة من فقدان الوعي والنظر والتأمل والتي يُسميها الأمريكان (Hangover)، وهي حالة يكون فيها متعاطي المسكر خارج نطاق عقله ويحيا ويعيش في حالة عقلية أُخرى لا علاقة لها بحالته الطبيعية، فيرتكب أفعالاً غير متناسقة ولا متوافقة مع حالة عقل الإنسان الطبيعي. وحالة السكر العنيفة التي وقع فيها أصحاب المراجعات هي في وقت الثورات الفوضوية التي حدثت عام 2011، والتي انطلقت من تونس مرورًا بمصر ثم توجهت إلى سورية ثم توقفت في اليمن. وهذه الحالة من السكر أوقعت أصحابها في حالة الفقدان للعقل الإنساني (Hangover)، وكادوا يدمروا كثيرًا من البلاد، ويؤسسوا للفوضى والدمار الشامل، إلا أن الخالق المبدع ألهم عباده الذين تمسكوا بنبذ تلك الفوضى والتمسك بالأمن والاستقرار بأن يضعوا حدًا لحالة الـ(Hangover)، ويقفوا سدًا منيعًا أمام انهيار الدول، وهذه نعمة كبرى لم يُقدرها بعدُ أبناء هذا الجيل الذين لا يزالون ينخرطون في توجهات ومسارات فكر حالة الفقدان الذي توقف عن مراجعاته وعمل تحديثًا أفقده كل مراجعاته التي كان يُنظر لها ويسوق لها على أنها المخرج من الأزمات التي أوقع نفسه واتباعه فيها. والحديث عن المراجعات يطول شرحه وبيانه، وليس غرض هذا المقال الغوص في أعماق المراجعات الفكرية، بيد أن الاستقراء البحثي لتلك المراجعات يجعل المتأمل يُقدم نصحًا لأصحاب المسؤولية والقرار بألا يركنوا إلى الرؤوس الكبرى من أصحاب المراجعات الفكرية حتى لو أظهروا كل الندم، لأن أفراد المجتمع فيهم أصحاب الفكر المعتدل غير الشاذ. والذين يفهمون بعمق معنى فكرة ضياع وتفكيك المجتمعات ونشر الفوضى بين الدول، لأن هذه الفكرة ما أن تتخمر في عقل صاحبها وتستوطن ذاته، فإن استخراجها يكاد يكون ضربًا من ضروب الخيال والمستحيل. لذا فإن إبراز أصحاب المراجعات وكأنهم أصحاب فكر ورؤى وتنوير، خطأ تأريخي جسيم لا يمكن تداركه إلا بعد خراب الديار وعموم الفوضى.